عندي حمى المتصدع

* تفنن مسؤولو القطاعات الصحية في إصدار التصريحات عن عدد المرضى النفسيين في المملكة بمناسبة يوم الصحة النفسية، لكن أياً منهم لم يتطرق إلى ما عمل لاحتواء تلك الآلاف التي أعلن عنها، باستثناء مسؤولي وزارة الصحة الذين رددوا أن لدينا (16) مستشفى صحة نفسية في أنحاء المملكة دون التطرق إلى وضع هذه المصحات وقدراتها الاستيعابية وتوفر الأعداد المطلوبة من الممرضين والممرضات والأطباء والأدوية النفسية!!

كتبت منذ مدة طويلة أن القسم النفسي الداخلي “تنويم” الوحيد الذي يلبي المتطلبات الخاصة والمعقدة للمرضى النفسيين، هو ذلك الذي وفره مستشفى القوات المسلحة بالرياض. وناديت رؤساء القطاعات الصحية أن يلتفتوا إلى المرضى النفسيين ويوجدوا لهم أقساماً داخلية ومستشفيات متخصصة لإيواء الحالات التي تحتاج إلى إيواء، وذكرت أن هؤلاء المرضى لأنهم لا يمدحون ولا يتملقون ولأنهم إذا مدحوا فإن مدحهم كالقدح فإن أحداً لم يلتفت لهم!!

ولم يجد ذلك المقال أذناً صاغية لأنه يطالب بحقوق فئة لا تطالب ولا تعبر عما بداخلها وأقاربهم يفضلون الستر عن المطالبة، وفي الوقت ذاته فإن مسؤولي القطاعات الصحية أدمنوا التسابق على التخصصات المتميزة والتباهي بها فتكررت في كل قطاع على طريقة “عندك ما عندي” وتكررمعها ازدواجية الصرف المفرط وازدواجية التعاقد المكلف مع الأطباء من الداخل والخارج ولم يرزق المرضى النفسيون بمسؤول واحد يشذ عن القاعدة ويخرج من مضمار سباق السمعة ويعمل على معالجة الخلل في ميزان التخصصات ويخطط لإنشاء مستشفى نفسي مثالي يعالج تلك الأرقام المعلن عنها ويوفر له الطبيب الوطني المختص والدواء والمتابعة.

إذا كانت الصحة النفسية تساوي في أهميتها صحة البدن فإن العلة النفسية تفوق في خطورتها العلة البدنية أضعافاً مضاعفة ومع ذلك فإن مراكز القلب والكبد وعيادات السكر والضغط تتسابق بحثاً عن مريض مرموق.

وفي الجانب الآخر يتسابق أقرباء المرضى النفسيين بحثاً عن مستشفى يؤوي مرضاهم ويصرف لهم العلاج!! (من سيبحث عن مريض نفسي يمتر الشوارع ذهاباً وإياباً أو ينزوي في غرفته مكتئباً أو يلاحق زوجته وأولاده مرعباً أو يقدم على الانتحار).

إن ما يحدث من تنافس على التخصصات المتميزة المتكررة وإهمال التخصصات ذات الأولوية والحاجة هو المرض النفسي بعينه فهل يعالجون الناس أم يعالجون أنفسهم؟!

ولمن يصرح أن لديه (16) مستشفى نفسياً أسأله بأمانة هل المستشفيات تقاس بالكم أم بالكيف؟! وهل زرت واحداً منها وخرجت راضياً؟! وإذا لم ترض هل طالبت بمخصصات لتحسينها؟! وإن كنت طالبت ولم يستجب لك ماذا فعلت وما عساك فاعلا؟!.

أما قريب المريض النفسي فإنني أنصحه أن لا يتعب نفسه بالبحث والركض والتوسط، كل ما عليك فعله إذا اقفلت الأبواب في وجهك هو أن توقف المريض النفسي في الشارع وتصرخ بأعلى صوتك “يا ناس يا عالم عنده حمى المتصدع” وستجد أن كل المسؤولين أحاطوا به.. لأن هذا الوقت هو وقت الضجيج ولفت الانتباه!!

اترك رد