غرامات أيهما أقل

* بقاء الأنظمة والاجراءات والقوانين القديمة دون تجديد يعد واحداً من أخطر السلبيات التي نعاني منها وتنعكس على جوانب متعددة وحساسة من تعاملاتنا اليومية، فهناك أنظمة عديدة تتعلق بمزاولة المهن والغرامات والمخالفات مر عليها أكثر من ربع قرن وهي تراوح مكانها دون مواكبة ما مر علينا من تطورات ومتغيرات، أنظمة كتبت قبل سنوات الطفرة وبقيت أثناء فترة الطفرة وبعدها دون تغيير.

وحقيقة لا أدري ما هو السر في بقاء الغرامات التجارية على سبيل المثال لا الحصر دون زيادة رغم ما شهدناه من زيادات مضاعفة لتكاليف الخدمات التي يدفعها المستهلك من كهرباء وهاتف وخلافهما.

فيتضح جلياً ان القطاع الخاص الذي يمثله التاجر بقي في مأمن من العقوبة خلاف غيره من فئات المجتمع وهذا الأمن من العقوبة تسبب في أشكال متعددة لاساءة الأدب.

خذ على سبيل المثال المورد الذي يتأخر في توريد بنود مناقصة حكومية أو شراء مباشر لايزال ينعم بعقوبة بخسة “صدر نظامها منذ عام 1397هـ تتمثل في خصم 1% عن كل أسبوع على ان تتجاوز الغرامة 4% من قيمة العقد!! بعدها يحق للجهة تأمين البند من مورد آخر على حساب المورد المتأخر، وإذا علمنا ان نسبة غالبة من البنود خاصة ذات العلاقة بالصحة ليس لها إلا مورد واحد هو الوكيل في الغالب فإن الشراء على حساب المورد المتأخر غير ممكن وبذلك فإن توقف الغرامة عند 4% لا يضير التاجر أو يحرك فيه ساكناً بل لا يمس ربحيته ولذا فإن الموردين لا يتوانون في تقديم عروض تسليم مغرية يدخلون بها المنافسات ليكسبوها ثم يؤخرون التوريد ويتقبلون تلك الغرامات الزهيدة بصدر رحب لأنها محسوبة في العرض سلفاً.

هذا التلاعب يذهب ضحيته مرضى في أمس الحاجة لجهاز طبي أو دواء أو خدمة طبية تتعطل بسبب تأخير التوريد.

وعندما نستشهد بالأدوية والأجهزة الطبية فلأنها من البنود التي تتعلق بالحياة أو الموت أو استمرار معاناة مريض وإلا فإن ثمة بنود أخرى أساسية تحرم منها الجهات الحكومية وتعاني من تأخرها وتتعطل أعمالها بسبب المورد بل بسبب النظام الهش للغرامات الذي إذا استمر على وضعه الحالي فإنه لا أمل في تحسن الأوضاع ولا لوم على الجهات الصحية التي يكبح جماح المتحمسين فيها تواضع العقوبات والغرامات.

السؤال الذي يطرح نفسه هل يستمر حظ التاجر يطغى على كل شيء حتى الأنظمة فيغض الطرف عن تجديدها أم ان المنطق ينتصر وتصدر أنظمة جديدة تعايش الواقع والظروف وتضع حداً لتعاسة حظ المستهلك؟! هذا فيما يتعلق بغرامات التأخير.

أما غرامات المخالفات التجارية والغش التجاري فحدّث ولا حرج وقد ذكرت سابقاً ان من يبيع أطعمة أو أدوية فاسدة ربح ببيعها مئات الآلاف من الريالات لن يضيره ان يدفع غرامة لا تتجاوز عشرة آلاف ريال.

وإذا أردت عزيزي القارئ ان تستمتع بمحاولة حل لغز عجيب فاسأل نفسك لماذا تنتهي نصوص الغرامات التجارية بكلمة “أيهما أقل” ولماذا لم تكن “أيهما أكثر”؟! وإذا أردت لغزاً أصعب فتساءل هل التجار هم من يعدون أنظمة المخالفات ولهذا فهي تبدو حنونة جداً.

اترك رد