المديرات بكم.. والوفيات 15

الكم الهائل من سيل تصريحات مديرات المدارس والمعلمات للصحف عن عيوب ونواقص مدارس البنات له دلالة خطيرة لابد من الوقوف عندها طويلاً.

ما الذي أخرس المديرات والمعلمات كل هذه السنوات وهل كن ينتظرن حادثة مريعة كحادثة الهنداوية 31حتى ينطقن؟!.

انتظار سقوط الجمل لا يبرر تأخر كثرة السكاكين بل لا يبرر تأخر اسيقاظ الضمير لدى مديرات ومعلمات المدارس كل هذه المدة.

فكأني بهن وقد أثرن المصالح الشخصية والحفاظ على استقرارهن الوظيفي على أرواح فلذات أكبادنا وهو ما يعد غريباً على بنات وسيدات هذا المجتمع اللاتي يتوقع منهن التضحية والشجاعة عندما يصل الأمر إلى أداء الأمانة وعمل ما يمكن عمله لإنقاذ بناتنا من الوضع المتردي الذي لا يعرف عنه أحد أكثر منهن، وهو أمر اؤتمن عليه وكان من المفترض أن يؤثرن على أنفسهن ولو كان بهن خصاصة.

بعد أن وقع الفأس في الرأس أصبحت الصحف لا تجد متسعاً يكفي لسيل الشكاوي والبلاغات عن مدارس مهترئة غير صالحة للاستخدام الآدمي ناهيك عن الاستخدام الآمن كمدرسة فأين كانت هذه البلاغات للصحف تحديداً قبل حادثة مدرسة الهنداوية بمكة.

نحن ندرك سياسة التكتم التي تتبعها رئاسة تعليم البنات والضغوط التي تمارسها على المديرات والمعلمات لمنعهن من التصريح للصحف وما قد يواجهنه من خسارة شخصية إذا فعلن ذلك ولكن لم يكن العشم أن لا نجد من تتوفر لديها الشجاعة والتضحية لتقول الحق دون أن تخشى في الله لومة لائم.

وهذا موقف يسجل ضد كل من سكتت أكثر من عشرين عاماً لتتحدث اليوم بإسهاب بعد أن حدث ما حدث حتى وان استفدنا مما أخفته كل هذه المدة لتقوله اليوم.

لو تصرف كل واحد منا بنفس هذا القدر من الأنانية والخوف على الذات والحفاظ على الكرسي لما وجدنا من يكشف المستور ويقول كلمة الحق.. فقط تخيلوا لو اتبع هذا الأسلوب الجبان كل صحفي وطبيب ومعلم ومهندس وصيدلاني ومحامي وموظف عادي كيف ستكون حال مجتمعنا؟! أليس الغالبية من الكتّاب والصحفيين هم من غير المتفرغين للصحف ويعملون في دوائر أخرى ومع ذلك يجندون أنفسهم لكشف الأخطاء واقتراح العلاج رغم ما يواجهونه من احراجات قد تمس علاقاتهم بالآخرين ومصالحهم ومستقبلهم خاصة في عصور مضت كان قول الحق فيها ضرب من ضروب التضحية؟!. ولا ننكر أيضاً انهم يجدون شهرة وتشجيعاً ومكانة اجتماعية.

ما حدث من تكتم مهما كانت أسبابه أمر لا يغتفر كما أن أسبابه جديرة بالتغيير والمعالجة فالحل لا يقتصر على إجراء تغيير في أشخاص القائمين على رئاسة تعليم البنات بل يجب مراجعة أسلوب تعامل هذا الجهاز مع موظفاته خاصة أسلوب إخراس الألسن الحية وفرض سياسة كبت المشاعر والأصوات والعقاب الصارم لمن يخرج عن هذا النهج الصارم.

ثم لابد من إيجاد طريقة مناسبة للاتصال بين مديرات المدارس وهن في وسط المعمعة مع الجهاز الاداري في رئاسة تعليم البنات والذي يقبع في برج عاجي فما يحدث حالياً وسابقاً منذ عشرات السنين أن الاتصال يتم هاتفياً وأن مصير المكالمة الصريحة هو إقفال الخط في وجه المديرة أو الوكيلة أو المعلمة التي تصر على مطالبها ولك أن تتخيل درجة الاحباط التي تمنى بها امرأة تبلغ عن وضع مأساوي تعيشه يومياً عندما تقابل بقفل الخط الهاتفي في وجهها وهي تتحدث.

هاتفتني إحدى المشرفات الاجتماعيات في روضة تابعة لرئاسة تعليم البنات تبلغ عن ثعابين تهاجم الروضة وتريد فريقاً مختصاً يخرج الثعابين من مخابئها ويقترح حلاً جذرياً وكان الوضع طارئاً لوجود ثعبان في تلك اللحظة فطلبت منها وصفاً للموقع وشخصاً يعرفنا بمداخل الروضة لاتخاذ اللازم بعد خروج المعلمات والصغيرات وعندما طلبت هي من ادارة الأمن في الرئاسة تولي التوصيف وبخت بشدة وهددت من قبل الرئاسة على اتصالها بنا دون الاستئذان من الرئاسة أولاً وعندما أخبرتني بالأمر سألتها سؤالاً كنت أعتبره مبالغاً فيه، قلت لها: (لو شب حريق في الروضة هل يحق لكن إبلاغ المطافي مباشرة أم عبر الرئاسة؟!) وما هي إلا أيام واكتشفت أن سؤالي كان واقعياً والدليل ما حدث في الهنداوية وما حدث قبله وما سيحدث بعد إذا استمر الأسلوب كما هو.

على أي حال فإن الواقع المرير للمديرات والمعلمات مع الرئاسة لا يبرر تأخرهن في اللجوء للصحافة إلى حين فقدان خمس عشرة طالبة (ماتت واحدة منذ أيام متأثرة بجراحها في احدى مستشفيات جدة).

حقوق المتوفاة رقم 15

إحدى المصابات في حادث المدرسة 31في مكة المكرمة توفيت متأثرة بالاصابة وكما يبدو من التبرعات المشكورة من فاعلي الخير فإن التبرعات كانت مضروبة في (14) (مليون واربعمائة ألف ريال أي مائة ألف لكل أسرة) ولعل من واجبنا التنويه إلى أن الضحية (15) لم تكن مشمولة بالتبرع.

اترك رد