السلوكيات المنفرة

لماذا قيل المثل الشعبي المحلي “يالله لا تولي الفار دار”؟ هذا المثل يقوله بألم كل من وجد معاملة فظَّة قاسية من شخص أعطي صلاحية لا يستحقها وليس جديراً بها.

بل ربما لم يعط صلاحية لكنه كلف بمهمة التعامل مع الناس في شأن ما دون رقابة وبدون وضع حدود للتصرف فاستغل غياب الرقابة وتحديد الصلاحيات، فراح يمارس ما يشبع رغبته في النيل من الآخرين ويعوض شعور نقص يعاني منه.

في السابق كانت السلوكيات المنفرة كثيرة ومتعددة وصور الممارسات القاسية تتكرر من البعض في مجتمعنا، أما اليوم فإن من واجب احقاق الحق القول انها قلت كثيراً، وهو أمر طبيعي فكلما ارتفعت معدلات وعي المجتمع انخفضت فيه كل أشكال الأفعال المنافية للذوق الرفيع واحترام الإنسان الآخر.

سعيدون بالانخفاض الملحوظ في السلوكيات التي تسبب ضغطاً نفسياً على الناس خاصة من قبل الموظفين ولكن أملنا كبير في أن تختفي تماماً.

الاجتهادات المشينة والمنفرة والمستفزة للمشاعر النبيلة لا يمسحها عن الوجود إلا تواجد الأنظمة واللوائح التي تحدد التعامل مع كل صغيرة وكبيرة ونشرها للعامة لكي يعرف كل منهم ما له وما عليه ثم ارفاق جدول للعقوبات والجزاءات لكل مخالفة وكيفية استحصالها ومنح وقت كاف للتظلم من العقوبة والجزاء ومن ثم تطبيقها دون استثناء.

في السابق كان جندي المرور يدخل في مشادة كلامية تنتهي إلى مشادة عضلية عند كل مخالفة يرتكبها سائق وينتهي الأمر بتوقيف السائق ومساءلته ولك أن تتخيل ما يترتب على ذلك من فوات مواعيد وقلق زوجة أو أم أو أب بل ربما يكون هذا السائق قد ترك أسرته في مستشفى أو عيادة أو سوق فتزيد الأمور تدهوراً وتعقيداً وخسائر.

اليوم قد يتبادل رجل المرور مع السائق سرد النكت والطرائف أثناء تسجيل مخالفة ثم يذهب كل في حال سبيله وقريباً ستكون المخالفة موضوع نقاش وإقناع.

هذا مثل لصورة تحسنت، لكن ثمة صور عديدة من أشكال التعسف لا تزال مستمرة وتؤدي إلى مشاكل كثيرة تترتب على اجراء تعسفي يمكن تلافيه بأسلوب حضاري.

فصل الكهرباء لتأخر التسديد أسلوب لا يتناسب مع العصر وأرجو ألا تقول شركة الكهرباء أنه ضمان لحقوقها لأن الحقوق المترتبة عليها لمن انقطع عنهم الكهرباء بسبب عيوب في الشركة فعطل مصانعهم ومحلاتهم التجارية وأفسد أطعمتهم هي حقوق ضائعة للمشتركين ناهيك عن حقوق المساهمين.

فصل الهاتف للتأخر في التسديد شكل آخر من أشكال التعسف التي لم تتحسن، ويمكن لشركة الاتصالات ضمان حقوقها دون الاستعجال في تطبيق هذا الاجراء الذي لو توافق معه حدوث طارئ كحريق أو حادث منزلي أو اعتداء أو سرقة فإن مقارنة النتائج ليست في صالح هذا الاجراء.

ملاحقة مراقب البلدية للنساء البائعات في السوق ومنظر رجل يطارد مجموعة نسوة شريفات منظر غير حضاري حدث في الأسبوع الماضي ومعنى ذلك أنه لم يتحسن بل ساء عما كان سابقاً.

ما يحدث داخل أروقة الدوائر من رفع الصوت في وجه مراجع أو طرده من مكتب (بالمناسبة المكتب ليس ملكاً خاصاً، حتى لو كان به تلفزيون وثلاجة ودورة مياه!!) جميعها من السلوكيات التي يجب أن تندثر ولم تقل بعد.

هذه الأمثلة وإن بدت عادية ودارجة إلا أنها من أهم مسببات الأمراض النفسية في المجتمع وما يترتب عليها من مضاعفات خطيرة تنتشر في شكل الضغط والضغط المعاكس حتى يصبح المجتمع كله مكشراً مكفهراً غاضباً غير منتج، والحل سهل ويسير يقتصر على تطبيق نهج المخالفات المرورية على كل نهج ليتحول من شجار إلى ابتسامة.

اترك رد