بئس العقوبة ‘التسفير’!!

لم نكن نتوقع في يوم ما أن تصل عدوى اعتبار “التسفير” عقوبة إلى القضايا الكبرى كترويج المخدرات!!.

كان “التسفير” إجراء كسولاً يمارسه كفيل نحو خادمة منزلية أو سائق ارتكب جريمة أو شرع في ارتكابها حتى لو كانت من الكبائر كمحاولة قتل طفل أو الاعتداء عليه أو استباحة حرمة المنزل أو ارتكاب فاحشة.

وأقول أن الإجراء كسول لأن الكفيل يعتبره حلاً سريعاً لا يستدعي أكثر من استخراج تأشيرة خروج نهائي، دون الحاجة لرفع قضايا ومراجعة أقسام الشرطة. وما أن استشرى هذا التصرف المفتقر للذكاء والإخلاص للوطن حتى تباشرت به أسراب الخادمات وقوافل السائقين فأصبح المجرم منهم يعلم أن “التسفير” هو أعلى خيل يستطيع الكفيل ركوبه والعودة مضمونة عبر عملية تزييف سهلة ورخيصة!!.

وقد طالبنا كثيراً بالإقلاع عن هذا السلوك الكسول والتبليغ عن كل جريمة وتسليم مرتكبها للسلطات لينال جزاء رادعاً لغيره أولاً، وله ثانياً، يتمثل في عقوبة شديدة وكاملة لا تقبل التخفيف أو العفو تجعله عندما يسفر بعد انتهاء محكوميته لا يفكر في العودة لا للبلد ولا للجريمة!!، وهذا هو الهدف الوطني الهام.

نفس المطالبة نرفعها للجهات المختصة بعدم تخفيف الأحكام واستعجال (التسفير) خاصة في القضايا التي تهدد أمن المجتمع بأكمله كترويج المخدرات.

لماذا نعتبر التسفير عقوبة للمجرم من غير المواطنين؟! ولماذا نعتقد أنها عقوبة رادعة في حين أن الواقع يقول أن “التسفير” ماهو إلا مكافأة جزلة!!.

تسفير الغريب ليس تغريباً ولا إبعاداً وتخفيف مدد الأحكام من سنوات إلى أشهر يعقبها تسفير (وبطبيعة الحال العودة بطرق معوجة)!! ليس إلا مدعاة إلى (أمن العقوبة) ومن أمن العقوبة أساء الأدب. وأعتقد أننا ما لم نعد النظر وبسرعة في هذه الإجراءات فإن جرائم ترويج المخدرات قد تزداد بسرعة كبيرة وقد لا يشعر بهذه المعاناة أحد مثلما يشعر بها رجال الأمن الذين تنفطر قلوبهم كلما خاطروا بأرواحهم في القبض على مروج ونجحوا، ثم رأوه يخرج بعد بضعة أشهر إلى المطار وهو ينظر إليهم بنظرة ازدراء تقول (عائدون، وأعلى ما في خيلك تسفير).

إن ازدحام السجون وارتفاع تكاليف الإعاشة والإيواء لا يبرر اللجوء إلى التسفير لأنه وإن قلل من عدد النزلاء سيضاعف من أعداد الدخول إلى السجن من أولئك الذين استشعروا عدم خطورة النتائج وأمنوا العقوبة، ولاشك أن أفضل أسباب تقليل الدخول إلى السجون هو تشديد تنفيذ العقوبات ومضاعفة المدة لأرباب السوابق، وجعل العفو في أضيق الحدود الممكنة وغير مرتبط بوقت أو مناسبة سنوية لأن المجرم بطبيعته سريع التأقلم وقادر على جدولة جرائمه واستغلال الفرص حتى لو كانت فرص إنسانية فإنه يوظفها لغرض غير إنساني.

وإننا على ثقة أن جهود الجميع تتضافر للقضاء على كل أشكال الجرائم ومنها داء المخدرات ولذا فإننا ندلي بدلو نتمنى أن يكون إيجابياً فيخرج محملاً بالماء الذي يسقي تلك الجهود ونأمل أن تضع الجهات القضائية والتنفيذية والأمنية ومراكز الدراسات الأمنية موضوع تقليص أحكام السجن والتسفير على بساط نقاش صريح لا مجاملة فيه لمعرفة انعكاسات هذه الخطوات ودرجة خطورتها على أمن المجتمع.

اترك رد