تمثيلية تعليم الإنجليزية

خبر بدا لي غريباً وأحسبه يبدو غريباً لكثيرين غيري نشرته الصحف يوم الجمعة السادس من صفر لهذا العام 1423هـ منسوباً إلى وزارة المعارف، مفاده أن لجاناً شكلت للتعاقد مع معلمين من “خارج” المملكة للتدريس في مدارس وزارة المعارف للعام الدراسي المقبل وأن هذه اللجان بدأت أعمالها في عدد من الدول العربية والدول الآسيوية ومنها الهند وباكستان وبنجلاديش وماليزيا ومن الدول الأفريقية كينيا وجنوب أفريقيا ونيجيريا للتعاقد مع معلمين لتدريس المناهج التعليمية في عدد من التخصصات وخصوصاً للتعاقد مع مدرسين للغة الانجليزية والحاسب الآلي بعد إقرار تدريس المادتين في الصف الرابع من المرحلة الابتدائية بدأ من العام المقبل.

مصدر الاستغراب يختلف من فئة إلى أخرى من المتلقين لهذا الخبر ففئة ترى عدم ضرورة تدريس اللغة الإنجليزية للمرحلة الابتدائية ولهذه الفئة وجهة نظر تستحق الاحترام والمناقشة خاصة إذا احتكم إلى جدول الأولويات الهامة وقائمة الاحتياجات الأساسية الطويلة التي يحفل بها التعليم في المملكة والتي لم يطرأ عليها تغيير يستحق الذكر باستثناء التحول من العمل بصمت إلى غلبة القول على العمل.

أما الفئة الأخرى فترى أن استقدام معلمين للغة الإنجليزية من دول يفتقر أبناؤها لأهم مخارج الحروف الإنجليزية، ناهيك عن الإلمام بقواعدها هو ضرب من ضروب المغالطة وتكبير الجسد بأكوام الأقمشة البالية الرخيصة.. فهل نحن في حاجة إلى تكبير أجزاء من جسدنا بالخرق البالية؟!.

استقدام مدرسين من دول آسيوية وأفريقية لتدريس أي مقرر خطوة خاسرة، فكيف والأمر يتعلق باللغة الإنجليزية؟!

هل حسبت الوزارة حساباً لأهمية النطق الصحيح، أم معرفة القواعد وإمكانية إيصالها بلسان سليم، خصوصاً وأن لنا في هذا البلد سابق تجربة فاشلة منذ عشرات السنين حين تم التعاقد مع معلمين “عرب” من شمال أفريقيا، كان الطلاب لا يفهمون منهم سوى تعابير الوجه وإشارات اليدين، بل إن مدير المدرسة وبقية المدرسين كانوا يحتاجون إلى مترجم فرنسي/ عربي حتى يفهم عليهم.

سؤالي البريء هو هل فكر من اتخذ هذه الفكرة الخارقة أن يعيد تأهيل آلاف الخريجين السعوديين ممن لم يجدوا عملاً، خاصة من خريجي الكليات النظرية بل ومخرجات التعليم الثانوية ويدخلهم في دورات صقل لما لديهم من إلمام بأساسيات اللغة الإنجليزية وكيفية إيصالها لطالب المرحلة الابتدائية ويستفيد منهم في هذه الوظائف فيضرب عدداً من العصافير بحجر واحد ومنها على سبيل المثال لا الحصر، توظيف شباب سعودي عاطل عن العمل دون ذنب، ووضع زيتنا في دقيقنا والاستفادة من اللسان السليم وتطابق اللهجة والعادات الاجتماعية والتقارب النفسي.

أم أن صاحب الفكرة الخارقة “وهو من أرباب الأفكار الخارقة” يريد لصغارنا أن يجيدوا لغة إنجليزية صالحة للتخاطب مع السائق الآسيوي والخادمة الآسيوية وإذا كان كذلك فأين دور كينيا هنا؟!!

هل أخذتم الحساب لعوامل هامة تضاف إلى عامل النطق الصحيح وهو أن البلدان التي بدأت اللجان أعمالها فيها هي دول تعج بالأمراض المعدية الخطيرة، أم أننا نريد أطفالاً يتحدثون الإنجليزية بنكهة السل والتهاب الكبد وأمراض الصدر المعدية وأمراض الدم الافريقية الخطيرة؟!

إن العنصر المشجع لصاحب الفكرة وحده هو الأجر الزهيد لهذه الفئات، وهذا يذكرني بخلفيات المسارح وديكورات الأفلام والتي تعد من الكرتون المقوى أو ألواح الخشب الرقيق فتوحي لك أن “الممثل” يدور بين ناطحات السحاب والفلل الراقية فهل هذا ما نريده من التعليم؟! هل هدفنا هو ديكور هش اسمه أن الطالب يدرس الإنجليزية والحاسب في المرحلة الابتدائية؟! هل نضحك على أنفسنا؟؟ ولا أقول على الناس لأن الناس أعقل من أن يقتنعوا بتمثيلية!!.

اترك رد