مستشفيات الأمل ترفض التائبين!!

في الحرب الضروس التي نخوضها للقضاء على آفة المخدرات لابد من توازن دقيق بين ثلاثة محاور بالغة الحساسية: محور محاربة التهريب والترويج ومحور التوعية بالخطر ومحور علاج المدمن، وما لم يتحقق هذا التوازن والتناغم فإن العملية برمتها ستتعرض لخلل يجعل أمد الحرب يطول وترتفع معه أعداد الخسائر البشرية.

الواضح أننا نجحنا في المحورين الأولين، بل ركزنا عليهما بشدة وتركنا محور العلاج لاجتهادات قطاعات مختلفة فأصبح العلاج لا يستطيع مجاراة محاربة التهريب والترويج وعنصر التوعية وأصبحت النتيجة أن أعداداً كبيرة من المدمنين يقبلون على مستشفيات الأمل فلا يجدون الفرصة للخلاص من مشكلة الإدمان التي اقتنعوا بخطورتها!!

لابد لنا من الاعتراف بأن السعة الاستيعابية لمستشفيات الأمل لم تقدر بناء على دراسة دقيقة لعدد من سيقبلون عليها، أو أن التقدير لم يأخذ في الاعتبار قوة محوري وقف الإمداد والتوعية مقارنة بالعلاج أو أن الدراسة لم تكن متفائلة بالقدر المطلوب أو أنه لم يكن هناك دراسة أصلاً، المهم أن المستشفيات لا تستوعب أعداد التائبين والراغبين في العلاج.

الدلائل التي تشير إلى حقيقة قلة القدرة الاستيعابية كثيرة جداً، ومنها أن المستشفى يعتذر بعدم وجود سرير لأعداد من الراغبين في العلاج والدلالة الأخطر أن المستشفى بدأ في تغيير سياساته وإجراءاته للتنويم حسب توفر الأسرة، ففي البداية كان التنويم لكل من يعاني من الإدمان ويرغب الخلاص، ثم أصبح التنويم لمن تكون نتائج تحاليله إيجابية لأي نوع من المخدرات ثم أصبح التركيز في التنويم على النتائج الإيجابية للأنواع الخطيرة جداً وذات أعراض الانسحاب الشديدة أما خلافها فإنه حتى لو كانت النتيجة إيجابية فإن المدمن يتم إخراجه في نفس اليوم أو الساعة بحجة أن حالته مستقرة.

أصبح الأب يعاني الأمرين في إقناع ابنه بالدخول إلى المستشفى فإذا اقتنع ودخل المستشفى بعد معاناة شديدة وخجل وخوف من مواجهة غيره ومعرفتهم له وجد أن كل ما في الأمر هو تحليل ثم خروج رغم النتيجة الإيجابية.

إن مهمة هذه المستشفيات بالنسبة لمن خالط المخدر دمه ليس مجرد صرف الدواء وإرجاع المريض للمنزل، والأطباء يعرفون ذلك جيداً، لكن لا حيلة لهم فسعة المستشفى لم تحسب على أساس العدد المحتمل أو نصفه وهذا ليس بمستغرب على دراساتنا فحتى أعداد الولادات المحتملة لم تحسب بطريقة صحيحة فأصبحنا نعاني من رفض حالات الولادة في المستشفيات وتشديد شروط القبول فما بالك بالمخدرات.

أتمنى أن تقدر ميزانية إنشاء المستشفيات على أساس قيمة الإنسان ومقدار الخسارة في فقده، وعلى تقدير لنتائج بقائه مدمناً وما سيكلفنا ذلك من هدر وارتفاع لمعدلات الجرائم ونتائجها المتفاقمة وما يترتب عليها من آثار نفسية واقتصادية واجتماعية وأن نتذكر أننا ضيعنا عشرات السنين التي تعاملنا خلالها مع داء المخدرات بصمت وتكتم حتى تفاقم عندها سيكون تقديرنا للعدد والسعة المطلوبة والتوزيع الجغرافي لمستشفيات الأمل أكبر بكثير مما هو عليه الآن.

إذا أردنا توازناً في محاور الحرب على المخدرات فإن علينا أن نركز على محور العلاج حتى لو كان الأكثر تكلفة وأن نبني القرار على أساس إحصائي وليس على أساس اجتهادات، وأن يكون التحرك جماعياً ككتلة واحدة وليس عبر قنوات مختلفة تخضع لتباين قدرات ونشاط كل قناة وهو ما نعاني منه الآن من تكثيف التوعية وتقشيف العلاج حتى باتت قناة التوبة من الإدمان تضخ المئات وقناة العلاج لا تستوعب العشرات.

اترك رد