‘طلة’ الوزير

تابعت أوضاع عدد من الشباب الباحث عن مصدر للرزق، ممن لم يتمكنوا من الحصول على وظائف إما لشح الوظائف أو تملص القطاع الخاص وعدم توفر الشفيع في القطاع الحكومي أو لنقص بعض المتطلبات المؤهلة للحصول على وظيفة تحقق دخلاً كافياً للعيش.

فوجدت أن الواحد منهم إذا قرر مزاولة تجارة بيع الخضار “أول عمل حظي بالسعودة الجادة ويكاد يكون الوحيد”، فإنه يجد أن الطيور قد طارت بأرزاقها فالمتبقي من المباسط يقع بعيداً عن واجهة السوق ونصيب الأسد في البيع يكمن في دكاكين الواجهة والأمانة ترفض مقترحات من يعانون من الكساد والمتمثلة في وضع سياج يجبر الزبائن على دخول السوق من العمق لتتساوى الفرص في إقبال الزبائن.

وإذا قرر تاجر الخضار ممارسة البيع على جانب بعض الطرق فإن مراقب البلدية له بالمرصاد حيث تصادر بضاعته ويدفع غرامة مجزية تفوق ما سيدفع أحد غير السعوديين ممن يمارس تخزين الأدوية في “شنطة” سيارته في الحر الشديد ثم يوزعها على الصيدليات!!.

أحدهم قال لي إن مراقب البلدية والجندي المرافق كانا على وشك إعفائي من سحب البضاعة ودفع الغرامة عندما كنت أمارس “جريمة” بيع الخضار على جانب الطريق الرئيسي مقابل فندق الشيراتون بالرياض وذلك إشفاقاً على حالي ورحمة بأبنائي واستجابة لتوسلاتي، لكن المراقب غيّر رأيه فجأة قائلاً “أنظر الوزير يطل من الشباك، ويقصد وزير الشؤون البلدية والقروية” وتمت مصادرة البضاعة ودفع الغرامة وتركت هذا العمل!!.

قلت له: يبدو أنك منحوس الحظ فيا أخي بع أمام إحدى المدارس أو أحد المستشفيات أو مكاتب الضمان الاجتماعي أو الطرق السريعة أو المشاريع الضخمة علها تحظى بإطلالة وزير!!.

وإذا اتجه الشاب الباحث عن الرزق للعمل في “الليموزين” فإن النساء تركب معه وإذا اكتشفت أنه سعودي نزلت!! مما رفع سعر زيت الشعر والبنطلونات فقد أصبح الشباب يعمدون إلى التنكر بشخصية سائق آسيوي ليضمن الزبائن أو على الأصح “الزبونات” وأجزم أن خلف هذا الرفض للسعودي سراً يحتاج إلى دراسة “عميقة”!! وعلى أية حال فإن البنطلون والشعر المدهون حيلة لا تنطلي على رجال المرور فبطاقة الأحوال لا يمكن دهنها، فالغرامة والمنع حاصل لا محالة.

يشتري الشاب سيارة خاصة بالتقسيط ويقف أمام بوابات المطار ويهمس “سيارة أجرة يالحبيب؟!” باحثاً عن مصدر للعيش، وهؤلاء أعشق الركوب معهم، وأقولها جهاراً إنه رغم كرهي لمخالفة النظام إلا أن هؤلاء، أشعر بلذة تشجيعهم، لأن أحداً لم يوجد لهم حلاً بديلاً. ليس هذا هو السبب الوحيد ولكن لأنني مدين لزملائهم في اليونان حيث يتكرر إضراب سيارات الأجرة المرخصة، وقد بقيت تحت المطر قرابة الساعة إلى أن رحمني الله بواحد ممن يؤجرون سياراتهم الخاصة وتكرر هذا الموقف أكثر من مرة خلال ثلاثة أيام، كنت أعتمد فيها على أمثالهم فكلها سيارات وكلهم بشر أما الناحية الأمنية فإن رش المخدر حدث من “ليموزين” وليس سيارة خاصة!!.

هؤلاء الباحثون عن مصدر رزقهم أمام بوابات المطار يتعرضون أيضاً لحجز سياراتهم وتغريمهم.

إذا أوصدت أمام الشباب أبواب التوظيف الحكومي والأهلي وباب الخضار والبيع على الأرصفة والطرقات وحاربتهم سيدات المجتمع “ليموزينياً” ومنعوا من تأجير السيارة الخاصة ورفضهم الضمان الاجتماعي وأرهقتهم فواتير الخدمات والتقسيط والدائنين ولم تُوفر لهم حلول بديلة لكسب الرزق نظامياً، فأين تتوقع أن يتجهوا؟!.

إن انتشالهم من هذه المآسي في أمس الحاجة إلى “طلة” أكثر من وزير!!.

اترك رد