الحمل خارج المنهج

مشاهدات كثيرة توضح بجلاء أن السمة العامة للتعليم لدينا هي سمة التعليم بالتلقين، وان هذه العلّة المزمنة في تزايد مستمر ولم يطرأ عليها أدنى تحول رغم الدفاع المستميت الذي تمارسه وزارة المعارف أمام شكوى المجتمع من النتائج الوخيمة لهذا الأسلوب، والتي تتمثل في شكوى الاستاذ الجامعي من ضعف الأرضية المعلوماتية لخريج الثانوية بل عدم قدرة الكليات العلمية على اعتبار التميز في مرحلة الثانوية العامة مقياساً لإمكانية الاستيعاب في الجامعة وان كان هو للاسف المقياس الوحيد، وشكوى الجهات التي توظف خريج هذه المرحلة من عدم قدرته على استعادة مادرسه في شكل تطبيق للمعلومات على ارض الواقع العملي، وما تبع ذلك من شكوى إعلامية من هذا المرض المزمن والتي تُقابل بادعاء صوتي فقط من وزارة المعارف بأن أسلوب التلقين قد ولّى أو هو في طريقه إلى الزوال.

هذا العام برز شاهد جديد من أهل التعليم ومن فصول الدراسة نفسها بل من فصول تقييم التحصيل أو ما يسمى بقاعات الاختبارات التي هي في الواقع قاعات امتحان!!.

أعداد من الطلاب أسقط في يدها واعداد اخرى سقطت مغمى عليها بسبب ما أسموه بخروج الاسئلة عن المنهج، حتى إن الطلاب المتميزين اثناء الامتحانات الشهرية وأعمال السنة شهدوا بأن الاسئلة خارج المنهج.

الوزارة نفسها “دخلها الماء، كما يقول المثل الشعبي” وصدقت ان الأسئلة يمكن ان تكون من خارج المنهج!! لماذا صدقت الوزارة؟!! لأنها لا تريد ان تصدق ان التعليم لديها لازال تلقيناً!! وان المشكلة ليست في من وضع الاسئلة ولكن من وضع المعلومة.. كيف؟!

مدرس المادة يملي المعلومات إملاءً والطالب يحفظها عن ظهر قلب كما وردت حرفياً دون فهم للمعلومة أو استيعاب لتطبيقاتها.

ومدرس المادة هو من يضع الاسئلة الشهرية وهو من يعرف كيف يضع السؤال الذي يحدد للطالب أي معلومة محفوظة يريد منه المعلم ان يعيد سردها فيفعل.

تماماً مثلما يتم تشغيل جهاز تسجيل عن طريق الشفرة أو عن طريق البحث عن معلومة محددة على اسطوانة ليزر “أعطني اسم الملف صحيحاً أسرد لك المعلومة، وأي تغيير ولو بفاصلة في اسم الملف سيرد الجهاز ان المعلومة غير موجودة”.

ما حدث في “الامتحانات” النهائية ان من وضع الاسئلة ليس ممن لقنوها، وقد كان يبحث عن معلومة “مفهومة” ولم يجد الا معلومات محفوظة ولم يكن يعرف كيف يدخل الشفرة!!

إن مجرد تحوير السؤال قد يجعل الطالب الملقن تلقيناً يجحظ بعينيه ويخرج لسانه معتقداً ان هذا السؤال خارج المنهج ولو كان قد استوعب المعلومة وفهم تطبيقاتها فلربما أبدع وأضاف لها جديداً لا يعرفه استاذه ولا يمكن لطالب مثل هذا ان يعتقد بالخروج عن المنهج!!.

وفي المقابل وعلى العكس تماماً، فإن فن اختيار المعلومة يتيح للمختبر ان يفرز الطلاب المتمكنين عن غيرهم عن طريق اختبار الكتاب المفتوح حيث يلعب فهم السؤال دوراً كبيراً في الحصول على المعلومة الصحيحة إلى جانب القدرة على البحث في الكتاب.

مختصر القول ان قضية خروج الاسئلة عن المنهج والتي طال النقاش حولها بين الوزارة وطلابها لا تعدو كونها قضية “اللامنهج” وهي شاهد من أهل الوزارة على ان مشاكل “التلقين” في تزايد.

اترك رد