المستشار غير المتفرغ لعمله

هذه السطور لا تلغي إجلالنا وثقتنا الكبيرة في معظم أساتذة الجامعات بل هي حماية لسمعة الأستاذ الجامعي الرمز.

المفترض نظاماً أن يعمل المستشار غير المتفرغ لجهة ما حوالي 15ـ 20) ساعة أسبوعياً خارج وقت الدوام الرسمي لجهة الاستشارة وأن يبقى جل وقته لصالح عمله الرسمي في جهته الأصلية. وأن تكون الاستشارة لجهة واحدة فقط.

ما يحدث الآن من ممارسات من بعض أعضاء هيئة التدريس في الجامعات ممن يعملون كمستشارين غير متفرغين لوزارات أو قطاعات أخرى أنهم يعملون جل الوقت أو كله لصالح جهة الاستشارة تاركين أعباء التدريس والدروس العملية لبعض المساعدين من المتعاقدين.

البعض أصبح يكلف الفنيين للقيام بأعبائه الأساسية في الكلية ويتواجد في جهة الاستشارة صباحاً وظهراً، ولا يكاد “يزور” جهة عمله الأساسية إلا لحضور اجتماع القسم او الكلية أو إعطاء أقل من الحد الأدنى من المحاضرات وفي هذا إجحاف في حق زملائه المخلصين والحصول على مميزات غير مستحقة نظاماً وتسهيلات لا تقرها اللوائح ولا تدخل ضمن أهداف الاستشارة بدون تفرغ.

المستشار غير المتفرغ أصبح موظفاً متفرغاً لجهة عمله الأصلية وهذه الظاهرة لها تبعات خطيرة على مستوى أداء الجامعات وحق الطالب في الاحتكاك بأستاذه والنهل من نبع علمه ومبادئه وأخلاقياته.

ليس هذا فحسب بل إن بعض المستشارين ونتيجة انصرافه نحو اعمال الجهة التي استشارته وتراكمها عليه أصبح يستغل بعض الفنيين في الكلية للقيام ببعض أعباء أعماله كمستشار فيكلفهم بأعمال خارجة عن حدود عملهم ولجهة أخرى هو المستفيد منها.

هذا السلوك استشرى وتمادى بعد الغاء التفرغ الكلي في الاستشارات فأصبح المستشار المتفرغ جزئياً هو في الواقع متفرغا كلياً بل عبء على الجامعة أو الكلية.

ليس هذا فقط بل إن البعض وفي مخالفة صريحة شائعة للنظام يعمل مستشاراً غير متفرغ لأكثر من جهة وبمعدل ثلاث استشارات للأستاذ الواحد في الوقت نفسه!! فأين عدم التفرغ هنا؟! وأين التركيز؟! وأين الفائدة الوطنية أو المردود الإيجابي في هذه الحالات؟!

تبعات هذه المخالفة الصريحة لا تنحصر في فقدان الثقة والكسب غير المشروع، وهضم حقوق المخلصين وأصحاب المبادىء الثابتة بل إن عنصر القدوة الحسنة أصبح مهدداً بالاهتزاز فأساتذة الجامعات الجدد ونعني الأستاذ المساعد اصبح يفتقر للقدوة الحسنة بعد أن تفشت هذه الظاهرة، فهو أمام خيارين أحدهما مثالي لكنه مر وهو أن يتمسك بمبادئه ويتحمل التبعات في شكل ضغط العمل والإرهاق لمصلحة غير مشروعة للآخرين أما الخيار الآخر فهو أن ينجرف مع التيار المخالف فيعم الفساد!!.

أما إذا أردتم المضحك المبكي لتأثير هذه المخالفة غير اللائقة بصروح العلم الشامخة فإنه المتمثل في تحول الكليات إلى “أقلمة” ذاتها مع هذا الوضع الخاطىء فالكلية أصبحت تضع جداول المحاضرات العملية والنظرية لتنتهي الساعة الثانية عشرة ظهراً وذلك لتناسب “السادة المستشارين” وهذا يعتبر من أخطر أنواع التأقلم مع الأخطاء!! ومن دلالات تفشي الظاهرة.

وإذا صح لنا أن نقترح الحلول فإنني أعتقد أنها سهلة وممكنة ومنها نبذ المجاملات وفرض اللوائح والأنظمة دون تراخٍ والتأكيد على ضرورة الالتزام بإرسال خطاب من الجهة الراغبة في الاستشارة ولا أعتقد أن البجاحة ستصل إلى حد إحضار الشخص لثلاثة خطابات من جهات مختلفة!! وبذلك نقضي على تعدد الاستشارات!!

ويجب أن يوقع المستشار المتفرغ تعهداً بأن هذه الاستشارة هي الوحيدة وأنه ملتزم باللوائح وشروط التفرغ الجزئي يؤسفني أن يطلب من أستاذ الجامعة توقيع تعهد، لكن هذا ذنب من يسيئون إلى المهنة!!.

كما أن من الضروري فرض المزيد من الرقابة الذاتية داخل الجامعات والرقابة الإدارية من جهات خارجها بما يضمن أن تكون صروح التخريج على درجة من الانتظام لنضمن أخلاقيات منتجاتها.

هذا فيما يخص صور إساءة استغلال الاستشارة مع عدم التفرغ في الجهة الأصلية للعمل. أما الصور الغريبة الملتقطة من الجهة “المستشيرة” فإنها مثيرة ونتطرق لها لاحقاً.

اترك رد