Site icon محمد سليمان الأحيدب

بيئة للأخطاء الطبية

لن تنتهي مآسي الأخطاء الطبية ومعاناة الناس منها ما لم يتم تطبيق تعويضات مالية مجزية تعد في خانة الملايين تقتطع من المستشفى المتسبب لصالح المريض المتضرر أو الأسرة المنكوبة، مثلما هي الحال في دول سبقتنا في هذا المجال بميزاته وعلاته.

هذا من ناحية العقوبة الرادعة التي تجعل كل مستشفى يسعى إلى وضع نظم وإجراءات واحتياطات دقيقة وحذرة يهدف منها إلى تلافي الخسارة المالية وبالتالي يحمي الناس من أخطائه.

ومن ناحية أخرى لابد من ترسيخ مفهوم “الرأي الثاني والثالث” لدى كل من المريض والطبيب كحق يجب أن لا يخجل المريض من طلبه ولا يمتعض الطبيب من قبوله.

إن مجتمعنا الصحي رغم كل ما يشهده من تطور، يعتبر وسطاً ملائماً جداً لشيوع الأخطاء الطبية القاتلة وذلك لعدة أسباب أهمها: أمن العقوبة، وبطء إجراءات البت في قضايا الأخطاء الطبية حتى تهدأ الأنفس ويقل الحماس وتزداد المخارج والأعذار، وعدم فرض تعويضات تعادل الآثار الجسدية والنفسية وتبعات الخطأ الطبي التي تمتد مع الضحية الحي حتى يموت ومع أسرة الضحية الذي مات حتى آخر فرد فيها!!

تأتي كل عوامل غياب المحاسبة الجادة متزامنة مع الانشغال بالمصالح الخاصة ومحاولة تحقيق أكبر دخل مادي ممكن من هذه المهنة الإنسانية النبيلة والمتمثل في عمل الطبيب في أكثر من مستشفى وتشتيت وقته وفكره بين عدة التزامات منها الرسمي ومنها خارج وقت الدوام ومنها الاستشارات ومنها التلميع الإعلامي. ووسط هذا الانشغال لكبار الأطباء يبقى صغارهم محرومين من الاحتكاك بالخبرات مهملين تماماً، يتلقون الاستشارة عبر الهاتف على أفضل الاحتمالات ويضطرون للتقرير في مواقف طبية تفوق خبرتهم وقدراتهم. وكأي إنسان فإن العامل في المجال الصحي وبحكم التعود والتأقلم مع الأحداث يصل إلى مرحلة يعتبر فيها بتر العضو وإزالة جزء حيوي وتقرير الاصابة بمرض عضال أو قرب الوفاة عادياً جداً بل روتيناً يومياً مثلما يتعود رجل الدفاع المدني على حمل الأشلاء أو رفع الجثث المتفحمة أو فصل قطع اللحم البشري من حديد السيارة.

نحن لا نطالب بمحاسبة العامل في المجال الصحي على تعوده على معايشة الأحداث المريعة وإنما نطالب بما يجعل هذا العامل يفكر ملياً قبل اتخاذ قراره وهذا لا يمكن ضمانه من الجميع على حد سواء دون فرض سبب مادي وملموس يحث على التريث مع عدم نبذ الجانب الإنساني أو تجاهله.

أما ترسيخ مفهوم طلب رأي آخر كحق من حقوق المريض فيقع على عاتق جهات عدة منها المستشفى والطبيب نفسه والإعلام (عندما تنصح مريضاً بأن يستأذن طبيبه باستشارة طبيب آخر، يخجل كثيراً ويرد بحياء “قله أنت”).

بقي أن نذكّر الزملاء الأطباء وغيرهم من العاملين في المجال الصحي ان أزمة الثقة بين المريض والمنشأة الصحية أو الطبيب ليس سببها ما يكتب من مقالات تهدف لمعالجة المشكلة فالسبب الفعلي هو كثرة الأخطاء الطبية، ولذا فإن مفهوم إن لم تكن معي فأنت ضدي مرفوض في كافة سبل الحياة بما فيها هذا الموضوع.

Exit mobile version