‘الفلاتر’ البشرية

الفلتر كلمة غير عربية، أستميحكم عذراً في استخدامها ذلك أن ترجمتها العربية “مرشح” لها معانٍ أخرى تعني عكس ما نريد هنا من الفلاتر البشرية، فهي لا ترشح بل تمنع، وهي لا تصفي لأن ما تمنعه ليس من الشوائب بل ربما أنقى كثيراً مما يمر عبر الفلاتر البشرية.

الفلاتر البشرية تتكون تلقائياً لتشكل حلقة محكمة تحيط بالشخص المهم صاحب القرار والنفوذ فتمنع غيرها من الوصول إليه خشية أن يفوزوا بنفس الحظوة أو يكتشف فيهم مواهب أفضل، وإمكانيات أعلى، ومؤهلات أقوى فيعجب بهم فيقربهم، والفلاتر لا تريد لأي أجسام كبيرة أن تقترب.

الفلاتر البشرية تتشكل حول كل مدير ووكيل ووزير ومسئول كل حسب أهميته، وغالباً تكون محكمة الغلق تحاول جاهدة منع الاتصال المباشر بالمسئول، وحجب “الكفاءات” عنه، وتحرص جاهدة على لعب دور الوسيط الناقل للمعلومة، دون إتاحة الفرصة لغيرها من الاقتراب!!

كم من الكفاءات والقدرات الوطنية والمؤهلين حجبوا بهذه الطريقة، حتى أصبح المجال وكأنه يخلو إلا من فاهم واحد أو محنك واحد أو مؤهل واحد!!

المشكلة ليست في القدرة العالية للفلتر البشري على منع وصول كل جسم كبير التأهيل والقدرات فحسب بل ثمة مشكلة أكبر وهي أن بعض المحيطين بالمدير أو المسئول يمارسون عملية قرصنة للأفكار والمقترحات وينسبونها إلى أنفسهم، وبذلك تجيّر ابداعات المبدعين للناقلين وهذه مشكلة كبيرة جداً أوجدتها صعوبة الوصول، واستخدام الوسيط.

حتى داخل الدائرة الواحدة أو المؤسسة الواحدة تفرض بعض طقوس البيروقراطية أن لا يكتب موظف إلى رئيس الدائرة إلا من خلال مديره المباشر، حتى لو كان يقدم مشروع اقتراح أو فكرة جديدة من إبداعه، فإنه لابد أن “يرفعها” من خلال رئيسه المباشر وهذا الأخير قد تسوّل له نفسه أن من حقه كرئيس أن يستبدل اسم صاحب المجهود باسمه هو كونه المخول بالكتابة، وكم من فكرة وإبداع جيّر لغير صاحبه بهذه الحجة.

هذه الممارسة الخاطئة تقتل روح الإبداع وتحبط الهمم من ناحية ومن ناحية أخرى تقتل الفكرة نفسها لأن صاحبها المزيف غير قادر على شرحها أو متابعتها ناهيك عن تفعيلها. وبين الفلاتر البشرية وقراصنة الأفكار يبقى الوضع صعباً للغاية ويصبح التحرك إلى الأمام بطيء جداً ويعم الجمود وتتوقف الصورة الاجتماعية عند نفس الأشخاص، نفس الشخصيات، نفس الإصرار على اعتبار المدير أو الوزير محمية لمجموعة من الأشخاص ممن يحملون لافتات “ممنوع الاقتراب”.

اترك رد