شـكوى ودعاء

هذا الموضوع يعبر عن رأي المشتكي أولاً وأخيراً ويجسد واقعاً مراً وآخر حلواً لا أرى ضيراً في طرحه كما وردني وترك التعليق عليه لاحقاً مع علمي مسبقاً أنه قد يساء تفسيره ولكن لو حسبنا حساباً للتفسيرات لما كتبنا ولا تحدثنا وربما لما تحركنا مطلقاً.

المواطن عبدالرحمن الحسن اتصل بي يشرح معاناة أجزم أن كل من تعرض هو أو أحد أفراد أسرته لحادث سيواجهها: يقول في عصر يوم السبت 25ربيع الثاني سقط “دولاب” على رأس ابنتي (ثلاث سنوات) فأصيبت بحالة استفراغ شديد ثم إغماء وبدأ الدم يخرج من أذنها وتحولت إلى جثة هامدة.

نقلتها مسرعاً إلى مستوصف الحياة في حي الفيحاء فتفاعل معي الطبيب مشكوراً وأفادني بأن حالتها خطرة جداً وتحتاج إلى نقلها لمستشفى به أشعة مقطعية وبسرعة، فطلبت أن تنقل بإسعاف المستوصف لأنني مرتبك وأخشى أن أعبر الإشارات أو أتسبب في حادث أكثر فداحة فأخبرني انه لا يوجد سائق للإسعاف!! فنقلتها بسيارتي إلى مستشفى اليمامة التابع لوزارة الصحة، فوجدت انه أبعد ما يكون عن أن يسمى “مستشفى” ومنذ وصولي إلى “اليمامة” ونزولي من السيارة أحمل طفلة تلفظ أنفاسها وإذا بالحارس يلاحقني مردداً “أبعد السيارة” الأهم من أمر الحارس هو أن طبيب إسعاف اليمامة أخبرني أنه ليس بإمكانهم عمل شيء لأنها تحتاج إلى أشعة مقطعية وأنه لابد من تحويلها إلى مستشفى “الشميسي” لإجراء هذه الأشعة “كأول شيء يجب عمله!!” وعندما سألته هل ستنقل بالإسعاف؟! أفاد بأنه متعطل وكان أحد الموظفين متحمساً ولكن ليس في إمكانه عمل شيء وسألته عن أقرب مستشفى لديه هذه الأشعة فقال مستشفى التأمينات ولكن ذلك سيكلفك حوالي (50) ألف ريال، فحملت ابنتي وذهبت بسيارتي إلى مستشفى التأمينات ويعلم الله ما عانيته من أخطار وأنا أتنقل بسيارتي من مستشفى إلى آخر. أوقفت السيارة أمام الإسعاف ونزلت بالطفلة فاستقبلني طبيب من الأشقاء المصريين وكان مرتبكاً جداً ومتحمساً ويردد تحتاج إلى مقطعية وطبيب المخ والأعصاب المخول بطلب هذا النوع من الأشعة غير موجود، وأجرى اتصالاته ثم ذكر لي “ماذا نفعل بهذه الادارة السيئة فقد منح الاستشاري إجازة ولا يوجد غيره مخول بطلب هذه الأشعة” وطلب مني ان أذهب إلى الادارة لأنه على ما يبدو متحمس دون صلاحيات، وفي الادارة واجهت موظفاً يؤسفني انه من أبناء الوطن، لكنه على ما يبدو، تربى على وزن الأشياء بميزان المال والتكلفة، فكان بارداً جداً، لا تحرك فيه معاناتي وحالة ابنتي ساكناً، كل ما يشغل ذهنه هو هل علاج الطفلة ضمن الحالات الإسعافية أم أني سأدفع تكاليفها وإن كان لم يقل ذلك صراحة، لكن تمتمته لمن حوله توحي بذلك وبروده لم يكن طبيعياً، ثم التفت إليّ قائلاً “لا يوجد طبيب مخول بطلب أشعة مقطعية!!” قلت له حسناً، اطلب من الإسعاف أن ينقلها إلى مستشفى آخر فلم أعد قادراً على القيادة وعائلتي معي وجميعنا في خطر، فرفض إعطائي إسعافاً مدعياً ان ذلك ممنوع وتارة أخرى يقول لابد من إرسال فاكس إلى مستشفى آخر وانتظار رد القبول فما هو المستشفى الذي تريد؟! صعقني ذلك البرود وعدم المبالاة فأخبرته ان ما سيحدث لي ولعائلتي ولهذه الطفلة البريئة في ذمته وفي ذمة من سمح له بتعريضنا للخطر. وحملت ابنتي وتوجهت إلى مستشفى الملك فهد للحرس الوطني ولا أخفيكم انني كنت معتقداً انه طالما لم يتفاعل معي مستشفى وزارة الصحة المخصص لعامة الناس ولا المستشفى الخاص فكيف سيقبلها مستشفى خُصص لقطاع عسكري لا أنتمي إليه؟! ولكنني أردت ان يشاركني في حمل أزر هذه الروح البشرية أكبر عدد ممكن وأن أبري ذمتي بعمل ما يجب.

وأمام بوابة الطوارئ في مدينة الملك عبدالعزيز للحرس الوطني شعرت بأن من استقبلوني يستقبلون ضيفاً عزيزاً، منهم من يثبت الطفلة بالأربطة الخاصة، ومنهم من يضع المحلول الوريدي ومنهم من يضع جهاز التنفس ولم أشعر إلا وابنتي على سرير خاص تعاود الإفاقة تدريجياً واستمرت إجراءات إسعاف منظمة قرابة ساعة ونصف قبل مجرد ذكر للأشعة المقطعية إلا بعد أن عمل ما هو أهم وهو إنقاذ الحياة بإذن الله، وبعد أن أصبح وجودي غير ضروري حضر إليّ رجل أمن الإسعاف بنفسه هامساً بلطف “ممكن نبعد السيارة” فسلمت المفتاح لأحدهم وأبعد سيارتي وبعد أن خرجت مع عائلتي نبحث عن السيارة جاءني رجل الحرس ليشكرني على تجاوبي بإبعاد السيارة عن البوابة!! ولم تحتج الطفلة إلى أشعة مقطعية إلا بعد حوالي ساعتين للتأكد من نوع الاصابة وبعد أربعة أيام خرجت الطفلة سليمة معافاة بفضل الله ثم بفضل الجهود المدروسة والتعامل الحريص العلمي في إسعاف متخصص خطط له بعناية وبناء على حاجة الوطن وأبنائه. وخرجنا ندعو لولي العهد بأن تكون هذه الجهود في ميزان أعماله الحافلة بالإنسانية ونشكو إليه ما واجهنا من المستشفيات المذكورة من إهمال وبرود وتقاعس.

اترك رد