ثوبها والأعطاف مشلحه والأكتاف

الغيرة المهنية ظاهرة جديرة بالدراسة المتأنية والأهم من دراستها ان نأخذها في الحسبان قبل سماع رأي شخص في زميل عمله وأن نضعها نصب أعيننا عندما يتحدث احدهم عن الآخر بشيء من الذم أو التقليل من الأهمية أو يغتابه.

أنا هنا لا أقصد الغيرة على المهنة على وزن الغيرة على الحبيبة والتي يقول فيها الشاعر:

أغار عليها من أبيها وأمها

ومن دورة المسواك اذ دار بالفم

وأحسد أقداحاً تقبل ثغرها

إذا أوضعتها موضع اللثم في الفم

ولا أقصد غيرته على حبيبته حين قال:

أغار على أعطافها من ثيابها

إذا لبستها فوق جسم منعم

تلك هي (الغيرة على شخص) وهي غالبا محمودة إذا لم تصل الى حد الوسواس والعياذ بالله.

ما أقصده هي “الغيرة من زميل ناجح” وهذه أم المشاكل وواحدة من أخطرها خاصة اذا حدثت في مواقع عمل هامة يعمل فيها اناس يفترض انهم على درجة من الوعي ورقي الفكر والعلم.

ومكمن الخطورة هنا هو ان هؤلاء لم يصلوا إلى ما وصلوا اليه الا لأنهم اذكياء فإذا ما وقع ذكاؤهم تحت سيطرة قوى الغيرة من نجاح الآخرين فإن هذا الذكاء يمكن توظيفه للضرر أكثر من النفع.

أحاول القول إن حسد أو غيرة الذكي أخطر بكثير من حسد الشخص العادي، تماما مثلما أن المجرم المثقف أو المتعلم أخطر بكثير من المجرم متوسط الثقافة أو التعليم.

هذا ما أحاول قوله.. أما ما أطالب به بقوة فهو أن نتنبه جيدا إلى وجود هذه العلة النفسية وألا تغيب عن أذهاننا عند محاولة تفسير بعض السلوكيات أو التلميحات أو تقييم شخص لآخر وألا نكون (طيبون) جدا الى حد استبعاد أن يحدث هذا النوع من الغيرة في مواقع عمل يفترض أن ترتقي عن هذه السلوكيات.

علينا أن نتذكر أن الانسان كائن بشري قد لا يحدث التعليم ولا المنصب تغييرا يذكر في مشاعره، فهو يحب ويكره ويغار والمفترض ألا تتحكم هذه المشاعر في سلوكياته وتحدد مواقفه لكن هذا يحدث للأسف وعلينا أن نعترف بذلك ونحسب له الحساب.

الغيرة من نجاح زميل مهنة شعور لا نعترض عليه مطلقا لكن هذا الشعور يفترض ألا يتحكم في ردة الفعل تجاه ذلك النجاح فتتحول الى عدائية واذا حدث هذا في مواقع عمل نخبة المجتمع من وزراء أو أساتذة جامعات أو رجال فكر أو أطباء (وهو يحدث عيانا بيانا) فإن علينا أن نحسب له ألف حساب في حكمنا على شخص من واقع لسان شخص آخر.

وفي رأيي المتواضع أن خطر الغيرة يتناسب طرديا مع المنصب بمعنى أن الطالب أو موظف الارشيف أو موظف السنترال حين يغار من زميله فإنه يحاول أن يصبح مثله وهذا محمود.. أما أستاذ الجامعة أو الطبيب أو المهندس أو الاداري الكبير أو صاحب المنصب حين يغار من مثيله فإنه يحاول التقليل من شأنه وهذا هو الخطر الذي أنبه الى ضرورة التعامل معه بحكمة وحذر.

واذا كان الشاعر يغار على الأعطاف من الثياب حبا فإن الحاسد يغار من الأكتاف على المشلح كرها.. والله أعلم.

رأي واحد على “ثوبها والأعطاف مشلحه والأكتاف

  1. اشكرك سيدي المثقف على موضوعك و اتمنى ان اقرأ المزيد

اترك رد