العقوبات يا أولي الألباب

من المستغرب كثيراً والمحير جداً أن تأخذنا الشفقة بمرتكبي جريمة تغيير تواريخ الأدوية منتهية الصلاحية وإعادة توزيعها على أنها أدوية جديدة صالحة للاستعال وهي ليست كذلك.

الزميل خالد أبا الخيل بمفرده وهذه الجريدة “الرياض” على وجه الخصوص نقلت لنا عشرات الحالات من مداهمة أوكار تزييف تواريخ الأدوية لآلاف الأصناف من الأدوية الأساسية والتي يفترض أن تنقذ الحياة لو كانت سليمة ومن شأنها القتل أو إهدار صحة المريض وانتكاسها تماماً طالما أنها غير فعالة.

الغرامات ما زالت تحوم في فلك عشرات الآلاف، لكن الغرامة لا يمكن أن تقارن بحجم الجريمة ولا حتى بحجم المكاسب غير المشروعة عند ارتكابها، أي أن كل المعادلات الحسابية تصب في صالح استمرار تفشي هذه الظاهرة الخطيرة التي أصبحنا نطالع ارتكابها مع كل مطلع شمس مما يؤكد أن العقوبة ليست رادعة ولا مجدية ولا تستحق الجهد والمخاطرة التي يبذلها رجال وزارة التجارة الأشاوس.

عندما يتم القبض على مروج البيض الفاسد والذي كان يوزعه على مطاعم العاصمة قال ما كنا نحذر منه منذ سنوات.. رد على فريق المداهمة قائلاً “ماذا ستفعلون؟! تسفرونني إلى أهلي؟!، لقد حققت في ثماني سنوات من بيع البيض الفاسد أموالاً تكفيني بقية حياتي وسيكون التسفير على حسابكم!!”

هذه عينة من بقية إنسان أشد فساداً وأخطر من البيض الذي روَّجه لمدة ثماني سنوات.. ومروجو الأدوية الفاسدة هم أشد خطراً وأقل إنسانية،ف فماذا تأخذنا بهم الرأفة التي تؤكدها تلك العقوبات المتراخية، المشجعة، المطمئنة لهؤلاء المجرمين؟

أمقت أن نحسب كل خسائرنا بلغة المال لأن تنغيص الصحة على إنسان أهم من أي منظور مالي. ومع ذلك دعوني اقترح على معالي وزير الصحة وهو غني عن شهادتي له باحساسه الإنساني المرهف ووطنيته وحماسه، اقترح أن يقتطع يومين فقط من عمل عدد من الأطباء السعوديين الممارسين المشهود لهم بخلفية أكاديمية بحثية وعدل في إجراء الدراسات وربط النتائج ويطلب منهم تقريراً علمياً محايداً عن أثر جريمة ترويج أدوية غير فعالة أو فاسدة على الاقتصاد الصحي وأقصد هنا تكلفة تنويم وعلاج ورعاية وإعادة تأهيل مريض انتكست حالته الصحية وتدهورت بسبب انقطاعه عن الدواء الفعال بتناول دواء منتهي الصلاحية. لا أطالب أن تشكل الدراسة الأثر على إنتاجية الفرد وعمله وحالته النفسية ووضع أسرته ثم وضع المجتمع ككل فهذا شأن وزارة الشؤون الاجتماعية.

دعونا نقصر الدراسة على حساب تكلفة محاولة تصحيح آثار الجريمة من منظور صحي وسنجد أن الغرامة لا تعادل تكلفة يومين في العناية المركزة لمريض سكر او ضغط عانى من تناول دواء غير فعال.

جميل أن نبدأ فعلياً في تطبيق عقوبة التشهير في الصحف والأجمل أن لا يعفى من هذه العقوبة كائناً من كان. أما الغريب فهو ان يطول انتظار تطبيق عقوبة السجن الطويل لهؤلاء المجرمين وأن يطول انتظار تطبيق غرامة المليون ريال على كل من ارتكب هذا الجرم مهما كانت الكمية المضبوطة.

فقط تذكَّر كلمات التهكم من مروج البيض الفاسد وستجد أن العقوبة الحالية ليست مطمئنة للمجرم وحسب بل مشجعة لغيره من ضعاف النفوس. هل تريدون الأغرب من هذا وذاك؟ الأغرب أن تحديد العقوبات يتأخر كثيراً ويسبقه أخذ ورد يطول، بينما ترتفع فواتير الخدمات بين عشية وضحاها وكلاهما مصدر دخل وطني.

اترك رد