وخسرنا شرطياً ومجرماً

اشتهر بالشجاعة والإقدام ومحالفة التوفيق له أثناء ملاحقاته للمجرمين في رؤوس الجبال وتميز بحبه لعمله وإخلاصه له إلى درجة المجازفة بالنفس في سبيل اعتقال قاتل هارب وكثيراً ما حالفه النجاح رغم صعوبة المهمة في الجبال أو الوديان أو وسط الغابات.

منذ أيام قلائل ودع صغاره ليستقبل مهمة جديدة، ملاحقة قاتل وافد خطير فر من وجه العدالة إلى رؤوس الجبال، بحث عنه كثيراً ووجده وقبض عليه دون أن يصيبه واستطاع رغم نحول جسده أن يحكم القبض على مجرم خطير قوي البنية ويقتاده من علو جبل إلى سفحه فالجسد النحيل كان يضم بين أضلاعه الصغيرة المتقاربة قلباً صلباً لا يعرف الخوف.

وصل بالمجرم إلى سيارة الدورية منتشياً بانتصار قوى الأمن على بؤر الفساد وطلب من رفاقه الإمساك بالمجرم ريثما يخرج القيد لتكبيله، إلا أن المجرم كان يحتفظ بخيار أخير لم يكتشفه أحد فقد أخرج مسدساً يخبئه داخل ملابسه ووجّهه للقلب الشجاع ففجره ونثر دماءه في تجويف صدر طاهر كان وعلى مدى 23سنة يفح شهيقاً وزفيراً بحب الوطن والإخلاص له.

استشهد وكيل رقيب علي بن يحيى عيسى بعد أن أمضى كل هذه السنين يتولى المهام الصعبة ويطارد المجرمين ويعتقلهم قبل مشارف الحدود كما ذكر الخبر الذي نشرته جريدة “الرياض” نقلاً عن مراسلها في جازان الزميل عبدالله السروري في يوم الثلاثاء 21رمضان 1423هـ. وصادف أن ينشر الخبر بعد يوم واحد من مقال مطول في هذه الزاوية “بصوت القلم” وصفتُ فيه موقفاً شجاعاً يفتقر للحيطة والحذر شاهدته لرجل أمن جازف بنفسه منفرداً وفي مكان معزول في القبض على وافد من جنسية اشتهر المجرم منهم بخطورة بالغة.

ذكرت في ذلك المقال تحت عنوان “حتى لا نخسر شرطياً” ان الشجاعة وحدها لا تكفي وأن هؤلاء الرجال في أمس الحاجة إلى تدريبهم على أخذ الحيطة، فالحذر جزء هام من الشجاعة لأنه سبيل إلى الانتصار على المجرم وإحكام القبض عليه.

أشرت أيضاً إلى ضرورة أمر المشتبه به بالانبطاح أرضاً “أيا كان” وتفتيشه جيداً وطلب التعزيز عند أول رفض أو مقاومة.

هذه بديهيات، فلست عسكرياً ولا منظّراً في هذا المجال الذي له رجاله وفرسانه وأساتذته لكنني أرى أننا نفتقد للكثير من إجراءات الحيطة ونعتمد على شجاعة وإقدام هؤلاء الرجال ليس في مجال الشرطة فقط بل حتى في مجال الإطفاء والإنقاذ وضبط مخالفات الغش التجاري وملاحقة رجال الجوازات للمتخلفين، كل هذه المهام التي تشترك في عنصر المجازفة وتعدد الاحتمالات ومنها الخطر المفاجئ والمباغتة نحتاج فيها إلى التدريب على وسائل حماية النفس أولاً واتباع إجراءات احترازية أساسية تحفظ عن ظهر قلب ويجب الالتزام بتطبيقها بل ان مخالفتها تستدعي المحاسبة على أساس حماية الشخص من نفسه فالشجاع قد يعرض نفسه الغالية للضياع وهو وإن كان يرخص بها فهي تبقى غالية نحزن ونخسر لفقدها.

كل شيء بقضاء ومقدر ومكتوب لكن حبيبنا الشهيد وكيل رقيب علي بن يحيى عيسى كان بينه وبين حفظ روحه الطاهرة وإسعادنا بالقبض على مجرم هارب أن يفتشه جيداً ويحترز من غدره وهذا ما يجب أن نزين به شجاعة أفراد الأمن. انه التدريب الذي يجب أن يصقل تلك القدرات الخارقة لدى مواطني هذا البلد.

اترك رد