أغرب شكر!!

يا لهذا القطاع الخاص، كم هو خاص جداً، خاص في ذكائه وفي اكتشافاته وفي معايشته للظروف والمتغيرات وتكيفه حتى مع طبع المسئولين ورغباتهم!!

هذا القطاع الخاص لم يكتف بدراسة ميول ورغبات وطباع المستهلك ويستغل الإعلان لمخاطبة احتياجاتهم ومداعبة مشاعرهم وإشباع نهمهم وأهواء نفوسهم وحسب، بل فعل الشيء نفسه مع المسئولين، بل لعله أصبح يوظف الإعلان لإشباع رغبات المسئول أكثر بكثير من الشريحة المستهدفة من العملاء، وكأنه اكتشف وبسرعة توجه البعض ورغبتهم الجارفة في التواجد إعلامياً!!

قد يعتقد البعض أن شكر وزير أو نائبه أو هما معاً على اعتماد افتتاح منشأة تجارية. أمر لا يضر!!، لكن الواقع انه مؤشر خطير جداً وتوجه ينم عن تخلف يعكس صورة سيئة عن المجتمع، قد تكون صورة ظالمة غير حقيقية من تلك الصور الكثيرة التي يرسمها البعض فتسيء للكل.

الواقع أننا نسير في الاتجاه الصحيح نحو تقليص البيروقراطية والمركزية في كثير من اجراءاتنا بما يوحي أن الوفاء بمتطلبات الجودة هو المحك الحقيقي لاعتماد دخول القطاع الخاص في معترك التعليم أو الصحة أو غيرهما من المسئوليات التي كانت الدولة تضطلع بها وحيدة دون مقابل.

وأن تلجأ منشأة تعليمية تجارية إلى الإعلان لكافة الناس انها تشكر وزير المعارف ونائبه على اعتماد افتتاحها فإن في ذلك تصويراً للناس في الخارج قبل الداخل ان افتتاح معهد في بلادنا أمرٌ فيه الكثير من العوائق البيروقراطية التي تستوجب الشكر وتجعله مديناً طوال عمره المديد إن شاء الله لمعالي الوزير ونائبه.

وقد يصور الإعلان للناس في الخارج أننا بلغنا مبلغاً من المداهنة يجعل مثل هذا الإعلان مطلباً أو فرض عين على كل راغب في ترخيص بصرف النظر عن الوفاء بمتطلبات الجودة والكفاءة “وهو أمر نحن منه براء”.

وقد يعتقد آخر ان ثمة صعوبات تكمن في اعتراض من جهات منح الترخيص نتيجة عدم اكتمال المتطلبات ذللها المسئول فاستحق عليها الشكر علناً وهذا فيه إحباط لكل من اجتهد وطالب بتطبيق النظام.

إضافة إلى ما ذكر فإن هذا السلوك يشيع روح المداهنة العلنية الممقوتة وقد يجعل منها على المدى الطويل عادة سيئة تضاف إلى عادات دخيلة كنا نأمل في أن تختفي في عصر الشفافية والمصارحة وانكماش الحواجز والفروقات وبروز معطيات زوال التكلف.

تخيل لو أن كل تصريح لمصنع أو ترخيص لمستشفى أو منح إذن لمكتب محاسبة يقدم صاحبه شكراً معلناً في الصحف للوزير المختص أو وكلاء الوزارة، كيف ستكون حال مجتمعنا؟! بل كيف ستبدو حالنا لغيرنا؟!

من هذا المنطلق أرى ان هذا الباب ما كان له أن يفتح وعندما فتح كان من المفترض ان يقابل باعتراض المشكور قبل غيره.ً

اترك رد