اللجنة الموبّخة

عاتب معالي وزير التجارة أعضاء اللجنة الدائمة لسلامة الأغذية المشكلة بموجب الأمر السامي رقم 1916/7/م وتاريخ 1416/11/11هـ وذلك لأن اللجنة تأخرت في إصدار التوصيات بشأن عدة مواضيع هامة ومن أهم هذه المواضيع تواجد مادة “الأكريلاميدا” المسرطنة المتواجدة بالأغذية المحمصة والمحمرة والتي سبق ان أعلن علماء سويديون في نهاية العام الماضي انها تتواجد في بعض الأغذية مثل القهوة المحمصة والبطاطس المقرمشة.

وقد جاء العتاب الحامل للتوبيخ بعد أن مرت ثلاثة أشهر على إحالة الموضوع للجنة الدائمة للأغذية ولم تتخذ توصية قاطعة فيه إلا انها أوصت منذ ثلاثة أشهر ماضية بتشكيل لجنة من وزارة الصحة والتجارة والشؤون البلدية والقروية والهيئة العربية للمواصفات والمقاييس لدراسة هذا الموضوع كتابيا وميدانيا.

وقد أفادت مصادر جريدة الجزيرة التي نشرت الخبر يوم الاثنين الماضي 1423/11/10هـ ان تلك اللجنة المصغرة لم تجتمع في الأصل لرفع ما توصلت إليه اللجنة الدائمة لمتابعة سلامة الأغذية لإصدار التوصية المناسبة بشأنها.

أعجب كيف يتوقع وزير التجارة وغيره أن يعالج هذا الموضوع عن طريق إحالته إلى لجنة؟!.

هل بلغنا هذه الدرجة من التطور الصحي في مجال التشخيص والعلاج ولا نزال نعتقد ان التأكد من كون مادة أو عدة مواد غذائية مسرطنة أم مأمونة يمكن أن يتم عن طريق لجنة دائمة ليستغرق الموضوع ثلاثة أشهر يحال بعدها إلى لجنة مصغرة من عدة جهات ولا تجتمع.

هل يختلف بطاطسنا عن بطاطس العالم المقرمش؟! وهل تختلف قهوتنا عن قهوة السويد المحمصة “نستورد كل أنواع القهوة” بل لنفرض أن ثمة اختلافاً، هل يستدعي تأييد نتائج بحث علمي متخصص أو التشكيك فيه إحالته إلى لجنة؟!.

ان تحذيراً صدر مبنياً على بحث أو دراسة أجراها فريق مختص في بلد متقدم يجدر أن يبدأ التفاعل معه بإيقاف ترويج المادة أو على أقل تقدير التحذير منها أخذاً في الاعتبار الاحتمال الكبير لصحة نتائج الدراسة.

والخطوة التالية سهلة لا تستدعي ولا تحتمل انتظار اجتماع لجنة ثم اتخاذها قراراً وطباعة محضر وانتظار التوقيع عليه ثم رفعه، هذا إذا اجتمعت اللجنة ووجدت الوقت لادراج هذا الأمر في أجندة الاجتماع “عادة لا يسمح وقت اللجان لمناقشة نصف جدول الاجتماع لأن كثيراً من الوقت يعتبره الأعضاء حقاً من حقوقهم في استعراض قدراتهم على الكلام وفرض الآراء… إلخ”.

كل ما يفترض ان يحدث كخطوة ثانية هو الطلب مباشرة من مختص في هذا الفرع الدقيق من العلم إجراء مراجعة سريعة للدراسة وتحكيمها لمعرفة امكانية الاعتماد على توصياتها ثم اجراء بحث خاص على المادة المشكوك فيها، علماً أن إثبات ان المادة مسرطنة أم لا أمر يستغرق وقتاً طويلاً قد يصل إلى سنة وهذا الوقت أمضاه فريق العلماء من السويد ومع عظيم الاحترام للوزير واللجنة الموبخة فإن هذه اللجنة لو عقدت اجتماعا متواصلا لمدة سنة فلن تتمكن من الحكم على صحة نتائج الدراسة من عدمها لأن ثمة فرقاً شاسعاً بين البحث والدراسة وبين العبث والفراسة.

وأخيراً ما كان للوزير أن يوبخ لأنه ما كان للموضوع أن يقتل بإحالته إلى لجنة.

وما ذكرته أعلاه لا ينفي أهمية تشكيل تلك اللجنة الدائمة لممارسة أدوارها الممكنة خاصة تلك المعنية برسم الاستراتيجيات والنظم والاجراءات أو استشعار مخاطر بعض الممارسات الخاطئة وغير ذلك من الأمور التي تحتاج إلى الآراء والإجماع أكثر من العمل الميداني.

اترك رد