حقب الفقاقيع

أحسب أننا أصبحنا أكثر توجهاً للمظاهر والظهور من أي وقت مضى، وهذا مؤشر إلى تناقص الجوهر!!

كلما زاد الحرص على المظاهر فإنه إنذار مؤكد بندرة الجواهر.. وكلما غلب التوجه للظهور فإن في ذلك دليلاً على هشاشة البنية، فلا يطفو للسطح إلا المواد الخفيفة (فلين، خشب، وقشور)، حتى الجثة لا تطفو على سطح الماء إلا بعد أن تتعفن وتنتفخ!!، قبل ذلك وعندما تكون محافظة على تكوينها البشري وجوهرها فإنها تبقى في القاع.

الفقاقيع هي الأخرى تطفو إلى السطح بسرعة فائقة تفوق أي شيء آخر له وزن ثم ما تلبث أن تنفجر وتختفي.

في تاريخنا مع المظاهر والظهور مررنا بحقب عديدة “إن صح التعبير وجاز استعارة الحقبة كمرحلة”.

حقبة التباهي بالسيارات فكان هدير الثماني والاثني عشر “سلندراً” يعلن عن مرور فقاعة!! في شارع ضيق، وكان الطريق بمبانيه وأرصفته يرتجف من شدة التنافس بين “جاكوار” و”فراري” و”بنز”، لكن “الفولكس واجن” والعراوي وحتى الدباب كان سيجد نفس المساحة للسير بسرعة أقل ربما لأنه كان يحمل فكراً أثقل!!

ثم جاءت حقبة التباهي بالخدم والحشم وحاملة الشنطة وحامل البشت، لكن تأشيرات الاستقدام وزهد أجر العمالة الآسيوية كان كفيلاً بإنهاء هذه الحقبة وبسرعة وتقليل فرص التميز.

بعدها جاء السفر عنصراً لادعاء التميز وللأسف فإننا في سفر التنافس لم نحقق واحدة من فوائد السفرالسبع لأن أياً منها لم تكن الهدف!! كان الهدف “رحنا جنيف”، “رحنا لندن”، “كنا في باريس” لم يكونوا يسافرون إلى “كوبنهاغن” ربما لصعوبة نطق الاسم مما يلغي فرصة التباهي.

ثم أصبح الاسمنت والأدوار وسيلة تحد لا بأس بها فهي على الأقل تضيف فناً عمرانياً ومؤشر نهضة اسمنتية.

واليوم سيطر الظهور كثيراً على المظهر فأصبح الظهور الإعلامي هو مؤشر سباق المظاهر.

أصبحنا ظاهرة إعلانية في قصائدنا وشكرنا وصدقاتنا وتهانينا وأفراحنا وأتراحنا وكل ما أخشاه بأن تتحول الفضائيات العربية من الإعلانات التجارية إلى إعلانات التهاني وشعر الثناء وعبارات الإطراء والشكر على زيارة والتعبير عن امتنان.

الغريب أن حقب التنافس تلك لم تشهد تنافساً على تحصيل علمي أو نبوغ فكري أو اختراع بل ربما شهدت مثل هذا التنافس لكن كونه من العيار الثقيل لم يكن يطفو إلى السطح، فلم يكن مجرد فقاعة أو فلين!!

اترك رد