الثمن البخس

عندما أرادت احدى كبريات شركات صناعة السيارات الأمريكية استغلال الشهرة والثقة التي يتمتع بها راف نادر صديق البيئة والمستهلك وزعيم دعاة حقوق المستهلكين في أمريكا، قدمت له عرضاً مغرياً مقابل مجرد التصوير مع احدى سيارات الشركة للدعاية لها، وكانت الشركة تعلم جيداً الثقة العظيمة التي يضعها المستهلك الأمريكي في اسم رالف نادر والتي بموجبها سيضع المستهلك ثقته العمياء في المنتج الذي يؤيده رالف نادر.

لكن رالف نفسه كان يدرك حجم تلك الثقة ومدى تأثيرها والأهم من ذلك انه كان يربو بنفسه أن يضع ثمناً يبيع به ثقة الناس لتاجر أياً كان، لذا فقد رفض عرض الملايين المغري بشدة خشية أن يؤدي ولو بعد عمر طويل الى الإضرار بالمستهلك والتدليس عليه وكان رالف آنذاك في ريعان شبابه ومقتبل عمره القابل للإغراء، لكنه كان يتمتع بشهرة واسعة أساسها حماسه لحماية المستهلك وتمسكه بمبادئه التي لم يقدرها بثمن.

تذكرت موقف رالف نادر وأنا أرى ان استغلال الناس لشهرتهم في توقيع عقود إعلانية وصل حداً غير متوقع سواء من حيث حجم العقود أو حجم الأشخاص!!.

يجمع الواحد حب الناس على مدى سنوات من الثقة والتواصل ثم لا يلبث أن يبيع ذلك الحب لمعلن عن سلعة أو خدمة قد لا تخلو من التدليس ان حاضراً أو مستقبلاً!!.

بالنسبة لنا كمجتمع سعودي فإن جعل الذات مادة إعلانية، سواء بالصوت أو الصورة أو التوقيع أمر لم يتم قبوله بسهولة بل ربما لم يحظ بالقبول التام حتى الآن، ربما لأننا مجتمع تربى على احترام الكلمة وتقدير المشورة فلا يتحدث إلا متأكداً ولا ينصح إلا متيقناً بصدق الشور، لقد ربانا الآباء والأجداد على أن الكلمة عقال واللسان حصان والشهادة لا تباع ومن واقع تمسكنا بتعاليم الدين فإننا لا نقبل التدليس ولا نشهد بما لا نوقن بصحته.

نجوم الرياضة في مجتمعنا تعرضوا لإغراءات كبيرة ولم يدخلوا عالم الإعلان إلا بتأن شديد وعقلانية.

نجوم الفن “مع أنني لا أؤيد الاعتداد بهم أو اعتبارهم مرجعية في أي سلوك” أيضاً لم يندفعوا لإغراءات الإعلان بسهولة، مع أنني أؤكد أنهم ليسوا قدوة ولا موضع مقارنة مشرفة.

وإذا كان الأمر كذلك مع أهل الرياضة وأهل الفن فإن من باب أولى أن يكون مع أهل العلم والأكاديمية والشهرة والقدوة الحسنة، فحري بهؤلاء النخبة أن يترفعوا عن أن يضعوا من أسمائهم أو صورهم أو تواقيعهم أداة إعلانية أو وسيلة جذب لمنتج دون غيره أو متجر دون آخر أو خدمة دون أخرى أو شركة او مؤسسة.

فالشهرة التي بنيت على أساس الثقة في العلم أو الحكمة أو القول أو العمل لا تقدر بثمن ولا يجب أن تستهلك مقابل ثمن بخس دنيوي والله أعلم.

اترك رد