البيوت الزجاجية

موضوع القصور في علاقات الدوائر الحكومية بعضها مع بعض ذكّرتنا به حادثة وفاة طفل عمره سنتان ونصف في امتداد لمجرى وادي حنيفة ترك دون أي ساتر حماية رغم قربه من بيوت مأهولة بالسكان، وكالعادة كانت نصيحة الدفاع المدني للأهالي بأن لا يتركوا أطفالهم يلعبون دون رقابة وكانت نصيحتي أن على الدفاع المدني أن يطالب الجهة المعنية بوضع وسيلة تمنع وصول الأطفال إلى ذلك الخطر قبل وقوع أي حادث وإذا لم تقم تلك الجهة، ولتكن بلدية الحي مثلاً بواجبها، فعلى الدفاع المدني الإلحاح في الطلب لأمانة المدينة حتى لو اضطر إلى شكوى الأمانة للجهات المختصة إلى أن تنفذ المطلوب.

ووعدت بالتطرق إلى قصور غريب في علاقات الدوائر الحكومية في هذا الصدد وهو قصور يتمثل في عدم تجاوب بعض الجهات الحكومية مع الآخر في الأمور المشتركة وفي نفس الوقت التحفظ الشديد والحساسية المفرطة في تعامل تلك الجهات مع بعضها البعض، بمعنى أنه لا يمكن لجهة حكومية أن تشتكي تقصير جهة أخرى للجهاز المعني في الدولة ولا إلى الإعلام، مع أن هذا النوع من التفاعل يعتبر صحياً ومطلوباً للغاية خاصة فيما يتعلق بالحياة أو الموت.

كأننا نعيش حالة عامة من التحفظ الشديد غير محمود العواقب في تعاملات مؤسساتنا مع بعضها البعض ووضع ممقوت من المجاملة والتستر على قصور نكتشفه أو نعاني منه، ربما للمجاملة أو لأن كلاً بيته من زجاج ويخشى من الآخر.

تكتفي تلك الجهات بالتخاطب بينها لتسجيل موقف قانوني عند حدوث محاسبة بسبب حادثة، فتكون الحجة خاطبناهم برقم وتاريخ ولم يستجيبوا، أما أن تبادر جهة حكومية بشكوى أخرى خوفاً على المواطن فهذا واحد من المستحيلات.

أعتقد أن تبادل النقاش والحجج بل وحتى تبادل الاتهامات بين المؤسسات الحكومية لو حدث على مستوى إعلامي فإنه أمر محمود ومفيد و”صحي للغاية” ولا يجب أن يكون “سرياً للغاية” لأنه سيؤدي إلى إصلاح واهتمام وحيوية وحرص وخوف دائم من التقصير، لكن ذلك لا يحدث لأننا نعاني من جمود غريب تحت حجة التحفظ ووهم معالجة الأمور دون ضجة.

حتى مجلس الشورى لا يستخدم أعضاؤه ورقة الإعلام لمعالجة القصور وحث الهمم ربما لأن غالبيتهم العظمى كانوا موظفين حكوميين سابقين.

أكبر محك مر بنا ويثبت ما أقول هي تجربة حمى الوادي المتصدع، حيث كانت كل وزارة تستميت في الدفاع عن نفسها وتبرئة ساحتها من المسؤولية دون أي تصريح أو تلميح يشير إلى مسؤولية الوزارة الأخرى حتى تحولت صفحات الصحف إلى نصف محكمة فيها العشرات من محامي الدفاع دون ممثل ادعاء عام واحد مما اضطر الصحف لتولي مهمة توجيه التهم وتولى القارئ دور القاضي لذا فقد رفعت الجلسة دون إصدار حكم.

بالمناسبة، ما هي أخبار لجنة الحكم في مشكلة حمى الوادي المتصدع فلم نسمع عن عقوبات بل لم نلمس واحدة منها.

اترك رد