النصر العالمي

انتصار جديد حققه العرب بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر يعتبر هاماً جداً بلغة الإعلام وإن لم يكن بنفس الأهمية في لغة السياسة.

كان النصر الأول عندما انكشف زيف الادعاءات الأمريكية بمراعاة الحريات الفردية وحقوق الإنسان مع أول امتحان حقيقي تمثل في أحداث 11سبتمبر عندما انتهكت الولايات المتحدة الأمريكية الحريات الفردية في الداخل بمداهمة المنازل دون مبرر واضح أو إذن بالتفتيش والتصنت على المكالمات الهاتفية في داخل أمريكا والاعتقال دون تهمة والزج بعدد كبير من الأبرياء في السجون لمدد طويلة دون محاكمة أو حتى تحقيق.

أي أن الولايات المتحدة الأمريكية مارست نفس ماكانت تنتقد ممارسته من قبل أنظمة دول العالم الثالث وتدعي أنها تحرك الأساطيل لتصحيحه وإنقاذ الشعوب منه. ليس هذا فحسب بل إن أمريكا ذهبت إلى ماهو أشد قسوة واحتقاراً للإنسان مما قد يكون حدث في أي نظام دكتاتوري وحشي عندما فعلت ماتفعله الأن في غوانتانامو وهو ما هز مشاعر أقسى القلوب في العالم، دون أن يحرك ساكناً في أمريكا.

النصر الجديد يتمثل في مناظرة أجرتها محطة بي بي سي الفضائية العالمية (BBC World) بين جمع كبير من الناس في نيويورك يمثلون رأي الشعب الأمريكي منهم الصحفيون والسياسيون ونخبة القوم وعامتهم وجمع آخر مشابه في عمان الأردن يمثل الرأي العربي وخاصة عدد من العراقيين والمثقفين العرب ممن يتحدثون الإنجليزية بطلاقة أو عاشوا في أمريكا فترة من الزمن.

بطبيعة الحال المناظرة كانت منقولة عبر الاتصال الفضائي المباشر، ولعل محطة (BBC) استوحت هذه المناظرة من طلب رئيس العراق إجراء مناظرة تلفزيونية مباشرة بينه وبين الرئيس الأمريكي بوش فبادرت إلى إجرائها بين الشعوب.

الانتصار تمثل في هدوء ومنطقية وواقعية الجانب العربي والتزام المتحدثين بأدوارهم في الحديث واحترامهم للاختلاف في وجهات النظر بينهم وإستشهادهم بالحقائق والوقائع دون اللجوء للافتراضات. بينما كان الجانب الآخر في نيويورك يتحدث بتشنج غريب ولغة حادة وحجج تعتمد على فرضيات ودب الخلاف بينهم أكثر من مرة ولم يكن ثمة احترام لوجهة نظر بعضهم البعض حيث تكرر أن يتحدث أكثر من شخص في نفس الوقت لينتهي “التناقر” بهمز أو لمز.

ركز الجانب العربي على الكشف عن سوء النوايا الحقيقية من وراء حرص أمريكا على الحرب وعن معاناة الشعب العراقي وعن الكيل بمكيالين بين ممارسات صدام وشارون وعن التحيز في تعريف الإرهاب والأسباب الحقيقية لكارثة سبتمبر ولأن الحوار أو المناظرة لاتقبل الأجوبة الدبلوماسية أو التهرب من الرد نظراً لمهنية من يتولى إدارة الحوار في المدينتين فإن الجانب الأمريكي كان موقفه دفاعياً متشنجاً مختلفاً فيما بين أعضائه إلى درجة التصادم.

شخصياً أعتبر ماحدث نصراً إعلامياً عالمياً نحن في حاجة إليه خاصة وأنه أكد على أن الفوضى والخلافات والصراخ أثناء التحاور والمشادات الكلامية ليست صفات عربية على مستوى الشعوب وأن أحداث 11سبتمبر أوضحت بجلاء أن أمريكا قيادة وإعلاماً وشعباً عندما تعرضت لمحنة واحدة من مئات المحن التي تعرض لها العرب انكشفت على حقيقتها وبدت لاتختلف عن أقل من دول العالم الثالث رزانة وعقلاً.

اترك رد