ضحايا تفسير النظام.. قصة واقعية

في كل دائرة حكومية تجد واحداً أو أكثر من واحد وقد نصبوا أنفسهم مراجع للنظام ليس لحفظه فقط بل ولتفسيره والإفتاء فيه، وبالرغم من أن هؤلاء هم مجرد قلة قليلة كلفوا أنفسهم بقراءة النظم، ربما دون فهم، وتميزوا عن زملائهم في العمل بأنهم اطلعوا على النظام في وقت تكاسل الآخرون عن مجرد قراءة النظم واعتمدوا تماماً على تلك (المسجلات) البشرية لتصبح مراجع النظم والإجراءات وتم ربط مصالح الكم الهائل من المراجعين وأصحاب الحاجات بموظف واحد صغير اكتسب صفة الملم بالنظام وأصبح له هيبة يخشاها رئيسه بل ومدير مديره!!

تخطئون إذا اعتقدتم أن هذه القضية لا تشكل مشكلة تستحق الإسهاب في طرحها لأنها في الواقع السبب الحقيقي لغالبية ما تتعرض له مصالح الناس من إعاقة وتأخير وحكم خاطئ وأغراض شخصية ونفوذ للواسطة وأصحاب النفوذ فذلك الموظف الصغير الذي نصب كخبير منفرد بالاطلاع على النظم والإجراءات هو في الغالب موظف واحد، ومن هنا يأتي التأخير، ويتميز بالحفظ دون ذكاء، وبذلك يخطئ في تفسير النظام، وهو صغير الرتبة يحكم في أمور كبيرة، فلا يخلو من التأثر بهوى النفس والحسد، وهو بشر واحد فلا يسلم من ضغوط وشفاعة وتوسط يخضع له بسرعة بحكم صغر مركزه فيعطي تفسيراً للنظام يخدم مصالح من يريد!!

السؤال الذي يطرح نفسه طالما أننا من أكثر الناس إصداراً للنظم والقرارات وأقلهم تطبيقاً وتفعيلاً لها بالشكل الصحيح فلماذا لا يتم توضيح هذه النظم للناس أجمع؟! ولماذا لا يطالب جميع الموظفين بقراءة تلك النظم الجديدة واختبار فهمهم لها وتفسيرهم لفقراتها وتصحيح هذا التفسير بدلاً من ترك مصالح الناس ضحية للسيد مفسر النظام؟!

الأمثلة هي أفضل السبل لتفسير النظام وهي أنجح الوسائل الإيضاحية، لذا فإنني أتوق إلى الأمثلة، دعوني أروي لكم موقفاً مر عليه أكثر من عشرين سنة، وأجزم أن الوضع رغم مرور ذلك الزمن الطويل لم يتغير على الأقل في أمر التفسير الخاطئ للأنظمة والقرارات أو تفسيرها تحت التأثر بضغوط مشاعر خاصة مثل الحسد أو النظرة الشخصية الضيقة وهذه القصة شهدت تفاصيلها ولم ترو لي!!

عندما صدر قرار منح خمسين ألف ريال لكل خريج تم تعيينه منذ عام 1401هـ منحت هذه المكافأة لجميع الذين تعينوا في الصحة أو وزارة الدفاع أو الحرس أو أي جهة أخرى بما فيها الجهات التي تمنح بدل سكن!! (ضع عشرين خط). في جامعة الملك سعود كان آنذاك ثمة مدير عام شئون موظفين ممن تعتبرهم الجامعة أرشيفاً في النظم وكان يعاني من عقدة مؤهله ومصدر شهادته وسط جامعة تعج بخريجي أمريكا وأوروبا. عندما تقدم المعينون كمعيدين في الجامعة بطلب الحصول على مكرمة وطنهم شأنهم شأن بقية زملائهم وهي إعانة على الحياة رفض ذلك المدير مشترطاً أن يتنازل المعيد عن بدل السكن إذا رغب في المكافأة. وقد فعل المعيدون ذلك مرغمين لأن بدل السكن أقل من المكافأة وبعد أن وقعوا التنازل صرفت لهم المكافأة وقد خصم منها بدل السكن لسنتين كانوا قد تسلموها قبل صدور المكافأة، ولم تؤخذ موافقتهم على هذا الخصم!! بينما استلم زملاؤهم في الجهات الأخرى الخمسين وبدل السكن!!

وكيلا الجامعة لم يقتنعا مطلقاً بذلك التعسف لكن قناعة وكيلي الجامعة لم تنفع، وما نشر في الصحافة آنذاك من تصاريح وإيضاحات بأن المكافأة هي إعانة على بدء الحياة الاجتماعية والزوجية ولا علاقة لها بتوفر سكن أو بدل سكن أو سيارة أو خلافها لم تشفع ونفذ مدير شئون الموظفين قناعته الخاصة!!

كان ذلك مثالاً مضت عليه سنين عديدة وهو يشرح جيداً ما ذهبت إليه ومن المؤكد ان الوضع يزداد سوءاً في هذا الصدد مع زيادة كسل بعض الموظفين وانتهازية الآخر وعدم مطالبة الجميع بمعرفة نص وتفسير النظام الذي استغرق إعداده وقتاً وبذلت جهود خبراء ومختصين لتحقيق شموليته وسد ثغراته وحظي بمناقشة مستفيضة وجدل هادف وخرج بعد جهد جهيد ليحقق أكبر درجة ممكنة من الوضوح، ثم يترك عرضة لسوء الفهم أو مزاجية مفسر مع أن إجبار أكبر عدد ممكن من الموظفين على فهم النظام واختبار فهمهم له أقل كلفة وأقل ضرراً.

اترك رد