النفي والنفي الآخر

بشاعة صور الحرب لا تقتصر على القتل العشوائي دون هوادة والتخلي عن كثير من المبادئ والقيم الإنسانية بقصد، كون ظروف حالة الطوارئ تستدعي ذلك، أو بدون قصد لأن حالة الحرب تحفل بالأخطاء.

بشاعة الحرب تشتمل على صور قبيحة أخرى غير القتل ومنها شيوع حالة الكذب على مدار الدقيقة والافتقاد للمصداقية وهي صورة من صور التخلي عن المبادئ تبرز في ظروف الحرب، ولكن هذا لا يعني أن هذا الطبع أو الممارسة لم تكن موجودة في حالة السلم وقد يكون الفرق الوحيد بين الكذاب في السلم والحرب هو أنه في وضع السلم أكثر قدرة على حبك الكذب عنه في وضع الحرب.

الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في صناع السياسة الأمريكية كانت الأكثر براعة في حبكة الكذب مستعينة بآلة إعلامية خارقة القدرات يديرها اللوبي الصهيوني وهو كبيرهم الذي علمهم الكذب، ولم يزل الكذب يسود شعارات عدة حتى صدقها الأمريكيون بسذاجتهم المعهودة ثم صدقها المغتربون في أمريكا رغم انهم يندرجون من أصول تتميز بالفراسة والذكاء والفطنة، ثم صدقها المقيمون والدارسون والزائرون لأمريكا والمتأثرون بالإعلام الأمريكي.

موجة التصديق تلك كانت نتيجة لإجادة الكذب في وقت السلم والذي بلغ من الدقة في التنفيذ درجة جعلت الكاذب يصدق نفسه.

في حالات الشدة أو أوضاع الحرب تكشفت حقائق كثيرة غيرت القناعات التي رسختها الآلة الإعلامية الأمريكية في مجالات شتى مدعية المثالية فمثلاً في مجال الحقوق الخاصة وحرية الفرد، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11سبتمبر أسوأ صور المداهمة دون تهمة والاعتقال والسجن دون محاكمة لأعداد من المواطنين الأمريكيين أو المقيمين فيها. وفيما يخص حرية الرأي فإن حالة العدوان على العراق صاحبها ممارسة الدولة الديمقراطية حجب مواقع في الانترنت وحجب أخبار مراسلين بل وفصل المراسل بيتر أرنيت لأنه ذكر فشل أمريكا في الحرب كرأي شخصي أو مشاهدة مراسل.

أي أن الولايات المتحدة الأمريكية ومع أول اختبار حقيقي أثبتت انها لا تختلف عن أي دولة من دول العالم الثالث التي تهمل الحقوق الخاصة وحقوق الإنسان وحرية الرأي ولعل الفرق أن أمريكا لم تختبر فعلياً إلا في القرن الجديد بتوالي الأزمات عليها بدءاً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم الحرب في أفغانستان وغزو العراق.

في التسابق على النفي والنفي الآخر وحرب التصاريح العسكرية على هامش الحرب الضروس في العراق خانت الأمريكيين قدراتهم المعهودة في السلم فكانت تصاريحهم وبياناتهم العسكرية متناقضة ومهزوزة واكتشف الصحفيون الأمريكيون أنفسهم أن مؤسساتهم الإعلامية العملاقة التي تدعي أنها تقدم رسالة إعلامية هادفة ومحايدة إنما هي تخدعهم مثلما يخدعهم السياسيون أنفسهم، وكشفت الأزمات ان الواقع يختلف عن الادعاء وأن هذه المؤسسات تدار بخفية ربما لا يدركها كثير من المراسلين.

الأمريكيون ينوعون المتحدثين باسم قياداتهم لكن السمة المشتركة أن كلاً منهم يواجه حرجاً شديداً أمام الأسئلة البريئة لأن الجواب لا يمكن أن يكون بريئاً!! فالحقيقة صعبة وتتناقض مع وعود رامسفيلد وستثير حفيظة المواطن الأمريكي الذي بدأ يساوره الشك بعد أن كان يصدق بالعنقاء والخل الوفي وكل ما يصدر عن رئاسته!!

اترك رد