المواجهة المعكوسة

في قانون الملاحة الجوية لا يحق لقائد الطائرة مغادرتها مهما كان الخطر المحدق به الا بعد مغادرة آخر راكب، والشيء نفسه ينطبق على قبطان السفينة، فعند حدوث كارثة لا يحق له ترك السفينة إلا مع آخر راكب!!

في سفينة السياسة وتحديدا في قاموس الأنظمة الدكتاتورية المستبدة فإن القبطان يهم بالهروب اثناء انشغال العدو بقتل ركاب السفينة ويختفي اثره عندما يصبح الجميع اثرا بعد عين!

الصورة تكررت كثيرا وفي حروب عدة كان فيها الشعب يقاتل فداء لكرامة قائد ما يلبث ان يختفي!! واحدثها ما حدث في العراق تاركا العديد من علامات الاستفهام في ذهن كل عربي ومسلم!

طالما أن رئيس النظام واعوانه أكثر الناس معرفة بقدرة قواتهم على الصمود أو الانهيار السريع فلماذا تم الزج ببلد وشعب وسيادة وحضارة بأنانية مفرطة من أجل تجهيز أجواء مناسبة للاختفاء وسط أمواج الدم!؟

نعم لعدم الرضوخ للطرف المعتدي المستبد حتى وإن كان الأقوى لتصبح قدوة لغيرك ويصبح عبرة لغيره هذا اذا كانت النية هي النصر أو الكفاح حتى الاستشهاد على ثرى الوطن بكبرياء وعزة وعدم الهروب بذل وهوان، اما وقد كانت النية مبيتة للهروب بناء على علم بعدم القدرة على الصمود فان الخروج قبل اعطاء الفرصة للعدوان ولو بتمثيلية وطنية توهم بأن الخروج بناء على رغبة الشعب كان سيعد أكثر حكمة وأكثر عزة من الهرب اثناء ذروة المعركة بعد التضحية بآلاف أجساد الرفاق من أجل أن تشتعل لتحدث ضوءا شديدا يبهر نظر العدو ليساعد القبطان على الاختفاء.. يالها من أنانية توهم بالتضحية وجبن يوهم بالشجاعة!

النصر الذي يزهو به بوش وبلير اليوم كان من الممكن أن يصبح هزيمة قاسية لو نزع فتيل الحرب ولجمت شهوة القتل بالتنحي المبكر طالما ان التنحي سيحدث وذلك وان كان انهزاماً للارادة لكنه لا يمكن أن يقارن بهزيمة الفرار من الوغى وخذلان الشعب والأمة.

السؤال الآخر المحير هو لماذا نحن العرب شغوفون بالانتقام من الجماد؟! لماذا نحب أن نفرغ جام الغضب على الصورة الجامدة أو التمثال الاسمنتي أو علم من قماش؟! هل تلك عقدة نفسية مثلما يقضم الطفل المعقد اظافرة؟! تلك سيكولوجية عربية تجدر دراستها وسيكون نشر نتائجها ممتعا وذا فائدة للمستقبل.

يكبت الشعب من قبل الديكتاتور سنوات ويجامل ويهان ويسكت ثم يكفيه لتفريغ كل ذلك الضغط المتراكم ضرب صورة او كسر تمثال أو حرق علم!! لا بل ويرافق ذلك احتفالية انتصار كبيرة مع ان ما تحقق لا يعدو كونه اشباع عاطفة والتنفيس عن كبت، لكن ثمة فرق كبير بين منطق العقل ومنطق العاطفة فمنطق العقل يحتم ضرورة العمل لاسترجاع أشياء محسوسة مثل اموال نهبت أو ملاحقة قانونية بدلا من النيل من صورة مثلما كان يفعل ذلك المكلوم الذي انتزع صورة الرئيس من قصره المرصع بالذهب وراح يوسع الصورة ضربا بحذائه لساعات طوال وسط شمس حارقة .

اترك رد