أما وقد اقترب (سارس)

أنصح بأن لا نجازف بالاعتماد على الوكالة المساعدة للطب الوقائي بوزارة الصحة في تولي أمر الاحتياط والوقاية من عبور فيروس الالتهاب الرئوي (سارس) إلى بلدنا الحبيب، لأن الموضوع أكبر وأخطر من أن نجازف فيه بالاعتماد على وكالة مساعدة تجتهد اجتهاد المقل وتحاول محاولة غير المؤهل وامكاناتها الفنية والبشرية والمعلوماتية لا تؤهلها للتعامل بالقدر المطلوب والجدية الضرورية مع مرض ينتشر بمثل سرعة وخطورة وتعقيد هذا الفيروس الخطير.

الأولى أن تتكاتف الجهات الصحية في القطاعات المختلفة كالحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران والجامعات والأمن العام بل وحتى المستشفيات المتقدمة في القطاع الخاص، وتعمل بشكل جماعي مع وزارة الصحة لرسم استراتيجية وطنية محكمة للاستعداد لهذا الوباء الخطير بكل الوسائل الممكنة (غير النفي أو التجاهل أو المكابرة) لأن هذه العناصر هي الوسط المناسب لانتشار المرض!!

وتلافيا للهيمنة المكتسبة للعناصر الأقل تأهيلا فإن تشكيل هيئة وطنية للطب الوقائي بات مطلبا ملحا وعاجلا طالما ان وزارة الصحة لا تنوي، أو ربما لا تستطيع في الوقت الحاضر، تغيير دم الطب الوقائي بحقن دماء شابة، مؤهلة ومواكبة للمتغيرات في مجال محاربة انتشار الأمراض المعدية والوبائية، رغم حماس واخلاص معالي الوزير!!

الفيروس يقترب بسرعة فائٍقة ولا يفصلنا عنه سوى المسافة الزمنية بين اقلاع وهبوط طائرة من أي دولة اعترفت باكتشاف المرض لذا فان هذه الهيئة يجب أن تشكل سريعا وان يتم اختيار رئيسها وأعضائها بواقعية وموضوعية وأن تمنح صلاحية واسعة لفرض الاحتياطات المطلوبة ويخول لها أمر النطق الرسمي في هذا الخصوص ورسم استراتيجية التوعية والارشاد والوقاية وتفعيلها مباشرة!

إن هذا الوباء الفيروسي ليس حمى مالطية أو قلاعية أو ملاريا أو حمى واد متصدع وأقصد أنه لا يمنح وقت يسمح بالمجاملة وتطبيق بنود البيروقراطية والنقاش المتشنج حول (هذه صلاحياتي وتلك حدودك)! وهو ما يحدث في اجتماعات اللجان المشتركة في الطب الوقائي حيث اعداد وتعديل واعادة تعديل محضر واحد أكثر من شهرين ثم يخرج حسب هوى الوكالة المساعدة!! (يحتاج سارس لينتشر في مئة شخص زمنا اقل مما تستغرقه طباعة محضر!!)

إن لنا في تجربة الحمى المالطية المستعصية أوضح مثال، فالطب الوقائي بوزارة الصحة من الطراز الاداري الذي يصعب عليه القبول بحقيقة عدد حالات المرض أو تفاقم الخطر بل ويستحيل عليه قبول الرأي الآخر لأنه يري في ذلك اعترافا بالتقصير فيتخذ موقف المدافع ضد كل احصائية أو دراسة تؤكد ازدياد عدد الحالات وتسارع انتشار المرض بينما يري الباحثون المتخصصون في مجال الطب الوقائي أو الأمراض المعدية أن الواقع يختلف كثيرا عما يمكن للطب الوقائي بوزارة الصحة قبوله أو الاعتراف به بناء على نظرة، لا أقول متفائلة، ولكن تخشى الاعتراف بالواقع وتفضل دس الرأس في الرمل على مواجهة الحقائق والأرقام.

إن بلادنا تزخر ولله الحمد والمنة بالكفاءات المؤهلة تأهيلا عاليا في تخصص الأمراض المعدية والوبائية ويتواجد في مستشفياتها المتقدمة أطباء ممارسون لم تشغلهم المناصب الادارية عن متابعة مستجدات التخصص وهؤلاء وأن كانوا بقوا في معزل عن صنع القرار في مجال السياسة الوقائية لأن الوكالة المساعدة تريد أن تستفرد بالقرار دون قدرة، فان الوقت والظرف الحالي لا يسمح بمزيد من تجاهل تلك الخبرات الوطنية ويحتم الرجوع اليهم ومنحهم فرصة انقاذ ما يمكن انقاذه قبل وقوع مزيد من الفؤوس في الرأس!! فالعالم اليوم يخوض حربا ضروسا مع فيروس يسابق عقارب الساعة وفي وقت الحرب لا بد من تجنيد كافة الامكانات واعلان حالة تأهب قصوى لا ينفع فيها الا صاحب علم نافع وفكر ناضج وقرار نافذ وتحرك سريع.

اترك رد