سريّتنا المستباحة

كتبتُ منذ عدة سنوات عما يحدث- ولو نادراً- من تسريب بعض صغار الموظفين لمعلومات تفصيلية عن المتعاملين معهم عندما تطلب عن طريق شخص تربطهم به علاقة صداقة وثقة، وهو أمر يتنافى مع ضرورة حفظ سرية المعلومات الشخصية التي تقدم بناء على طلب جهة خدمية تعتبر بالنسبة للجهة ضرورية لكن حفظها يعتبر أكثر ضرورية.
في ذلك الوقت استشهدت بالهاتف السعودي “آنذاك” كونه من أولى المنشآت الخدمية التي أدخلت الحاسب الآلي وسهلت ادخال المعلومات وسهل مع الزمن إخراجها.

أما اليوم فإن الحاسب الآلي أصبح شبه معمم على جميع الجهات والإدارات وأصبحت المعلومات التفصيلية، ذات الخصوصية، أكثر تواجداً في الحاسبات والوصول إليها عن طريق موظف عادي أصبح هو الآخر أكثر سهولة ويسراً.

أيضاً يفترض ألا نظلم أنفسنا ويجب أن نؤكد أن مفاهيم إنسانية كثيرة أصبحت راسخة في أذهاننا بحكم الوعي بحقوق الإنسان وحقوق الحريات الشخصية وحق حفظ المعلومات سرية قدر الامكان وأصبحت المطالبات بالحقوق الفردية أكثر إلحاحاً بناءً على تنامي الوعي العام بحق الفرد!!

ما بقي هو ضرورة ترسيخ مفاهيم حفظ الحقوق والمعلومات الشخصية في شكل قوانين صارمة وعقوبات محددة ومشددة ومعلنة على كل من تسوّل له نفسه تسريب معلومات يفترض انه اطلع عليها بحكم عمله ولا يحق له تسريبها لكائن من كان غير الجهة التي يعمل بها والتي حصلت على المعلومات بتفويض شخصي من صاحبها الذي يفترض الكثير من الثقة.

لابد من تحديث نظم عقوبات تسريب المعلومات، إن كانت موجودة أصلاً، وتفعيلها بما يتواكب مع التطور الكبير في مجال توفر المعلومة وسهولة الحصول عليها بطريقة آلية.

لم يعد الهاتف هو مرجع المعلومات التفصيلية، فقد أصبحت بمجرد معرفة رقم لوحة السيارة قادراً عن طريق أصغر موظف في المرور الوصول لمعلومات هامة عن مالكها، ونفس الشيء ينطبق على الرقم الطبي في المستشفيات ورقم بطاقة الأحوال والرقم العسكري والمعاملات في هيئة التحقيق والادعاء العام بل والحسابات البنكية.. كل تلك نوافذ يسهل اختراقها إذا وجدت علاقة أو مجرد معرفة بموظف مستهتر وضمير مستتر.

الخصوصية مطلب لكل المجتمعات حتى تلك المجتمعات الإباحية ومجتمعنا يتميز بحساسية أكبر للخصوصية في مجال المعلومات الشخصية والأسرية (إلى وقت قريب جداً كنت لا تأمن لكمة خطافية إذا قلت لشخص ما اسم أمك؟!) فما بالك بمعلومات أكثر تفصيلاً عن الأسرة أو أرقام الهاتف والجوالات خاصة النسائي منها وعن الرصيد وعنوان المنزل ناهيك عما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية والصحية والقضايا وتفاصيل التحقيق وخلافه من معلومات نحن الأكثر حرصاً على سريتها ويفترض أن نكون الأكثر تفعيلاً لضمان هذه السرية والأكثر تفاعلاً في شكل عقوبات صارمة على من يسربها!!

لقد كان لي شرف اقتراح ربط الرقم الطبي برقم بطاقة الأحوال تلافياً لازدواجية الملفات الطبية في أكثر من مستشفى لنفس الشخص وهو اقتراح درس لكنه وحسب تعقيب سابق منذ حوالي سنتين لمدير الخدمات الطبية بالأمن العام د. محمد مفتي أحيل إليهم للدراسة ويبدو أنه ينتظر دوراً يطول فلجانهم كثيرة أعانهم الله وبرغم حسرتي على تأخر مثل هذا المشروع الوطني الهام إلا أنني أرجو ألا يرى النور إلا بعد أن نفعل ترسيخ مفهوم الالتزام بسرية المعلومات لأن المعلومات ستكون أكثر وأكبر والوصول لها سيكون أسهل.

اترك رد