سعر صرف النفس المسلمة

لن نتحدث عن جانب استنكار ذلك العمل الاجرامي الذي استهدف رياض الأمن وأرض الطاعة والعبادة التي ترعرع فيها العاقون وصلّوا في مساجدها “إن كانوا من المصلين” وسمعوا صوت الحق يعلو في مآذنها والدعاء يرتفع في سمائها قبل وبعد كل فرض وفي ليالي رمضان ورأوا أن مساجدها عامرة بالذكر والدرس النافع وتحفيظ القرآن وتخريج الدعاة المتزنين.. بلد أمين آمن لا يشبهه بلد في تطبيق شرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الشعائر بتسهيل وحرية واطمئنان، بل ان الأولوية فيه للدين وشرع الله واليد العليا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر متبعاً كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم.
لن أتحدث عن جانب الاستنكار لأنه أمر مفروغ منه لا يختلف عليه عاقلان ولا عالم وجاهل وقد عبّر عن استنكاره الجميع وجسدت المنكر فيه صور ومواقف ويكفي لعدم محاولة إضافة جديد في استنكار ما حدث فتوى هيئة كبار العلماء في تحريم ذلك الفعل وهي الهيئة التي دأبنا نحن وآباءنا وأجدادنا على الرجوع إليها في ايضاح كل ما يشوبه الشك في أمور ديننا ودنيانا ومجتمعنا وعلاقاتنا الأسرية قبل أن يعرف أولئك المغرر بهم بل ومن غرر بهم القراءة والكتابة.

إن ما أود لفت النظر إليه في أمر استهداف الكفار أو الرعايا المدنيين لدول الكفر والذي يعتبره أولئك المغرر بهم ضرب من الجهاد إلى درجة بذل النفس من أجل تحقيقه هو في واقع الأمر وبفعل ما صاحبه من تدرج غريب وسريع يفترض بكل أسف أن النفس المسلمة رخيصة جداً عندما تقارن بالنفس الكافرة وأن دم المسلم زهيد الثمن مقارنة بدم الكافر وهاكم ما يثبت ذلك التنازل السريع في مقايضة روح المسلم بروح غيره، ففي البدايات لتلك العمليات لم تكن عمليات انتحارية وكانت تفجيرات تستهدف أكبر عدد ممكن من الأمريكان مثلاً مثلما حدث في الخبر أو الرياض منذ عدة سنوات دون أن يقابل ذلك إزهاق نفس مسلمة لا بالانتحار ولا بالعشوائية، ثم وبدون أساس شرعي أو اجماع، صور لهؤلاء ان الانتحار في سبيل قتل عدد من الكفار هو ضرب من ضروب الجهاد فكان بذل النفس يتم مقابل حصد عشرات الأرواح من الكفار مثلما حدث في تفجير “كول” في اليمن ولأن الأمر برمته ليس على أساس سليم فقد توالت التنازلات وخفض ثمن النفس المسلمة مقابل النفس غير المسلمة إلى درجة انتحار تسعة أشخاص وقتلهم لعشرات المسلمين غيرهم وجرح المئات من المسلمين وترويع آلاف من سكان بلد مسلم من أجل ماذا؟! من أجل قتل سبعة أمريكان!!

وإذا ما استمر هذا الضلال وعمى البصيرة فسوف يأتي يوم ينخفض فيه ثمن الروح البشرية المسلمة إلى درجة أن يفجر أحدهم نفسه في جمع من مئة مسلم بريء لأن بينهم قبعة لأمريكي!!

هؤلاء أناس تمت برمجتهم على القتل دون التفكير في الهدف وقيمته وما سيلحقه بالإسلام من ضرر وصور لهم سوء عملها ولذا فإنهم وصلوا حداً لا يقدرون فيه النفس البشرية القدر الذي قدرها به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين أكد على أن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً وأن من قتلها فكأنما قتل الناس جميعاً.

وإذا كان ما تعرضوا له من تحويل تفكيرهم إلى اتجاه واحد لا يبصرون غيره قد أنساهم آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة من السنّة المطهرة فليس من المستغرب أن ينسيهم حرمة دم المسلم وعلو شأنه فيجعلهم يضحون بأنفسهم ومئات من المسلمين من أجل إغضاب أمريكا بقتل واحد أو حتى سبعة!!

نستطيع أن نتفهم استشهاد فلسطيني قتلت أسرته وهدم منزله واحتلت أرضه فقرر زعزعة أمن المحتل بتفجير نفسه في جمع من الصهاينة.

أما هؤلاء فمن الصعب أن تفهم ما يريدون وما يهدفون إليه وكيف سمحوا لأنفسهم باستباحة دماء اخوانهم المسلمين من أجل ترويع نفر من جنسية محددة لأنهم مجموعة فتية لم تبلغ من العلم شيئاً وغرر بهم واستخدموا كصواريخ غبية تعرف رائحة المستهدف ولا تقدر حجم الهدف وحجم الضرر.

أما كيف انخفض في حساباتهم سعر صرف النفس المسلمة إلى درجة مئة مسلمة مقابل سبعة فلأن من غرر بهم استرخص كل شيء حتى أنفسهم هم إلا نفسه وبمثل ما ضرب عرض الحائط بتعاليم واضحة وجلية في أمر قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق فإنه يسمح لنفسه بأن يبيع أرواح مسلمين وأمن قبلتهم لقاء ثمن بخس هو نشوة إصابة أو موت سبعة من الأمريكيين.

اترك رد