المسؤول الميداني

لا أدري ما هو سر شغف المسؤولين لدينا بالجولات الميدانية مع أنها ونسبة للنتائج تعتبر مضيعة للوقت، وإذا نسبت للبقاء في المكان المهيأ للتفكير والتخطيط وإنهاء الإجراءات وإجراء الاجتماعات ومتابعة النتائج عن طريق التقارير سواء الملقاة شفهياً في الاجتماع أو المكتوبة على ورق فإن ساعة بقاء في المكتب تعادل يوم زيارة ميدانية حتى ولو زينت بلقب “تفتيشية”.
قد يكون السر في الضوء الإعلامي أو البهرجة الصحفية ولعل هذا هو مربط الفرس فالجولة الميدانية تتمخض عن ولادة خبر في جميع الصحف حتى وإن كانت جولة شكلية لا تقدم ولا تؤخر، أما البقاء خلف كواليس المكتب وطاولة الاجتماعات فإنه إنتاج فعلي له نتائج إيجابية على المدى الطويل لكنه لا يحظى بالضوء المطلوب “الضوء الطموح يزيد عن أضواء المكتب وقاعة الاجتماعات بآلاف الشمعات وهذا لا تحققه غير فلاشات المصور الصحفي”. والإنسان بطبيعته خلق عجولاً يستعجل النشوة برؤية نتائج عمله وقد تحدث عنها الناس حتى ولو كانت مجرد زيارة أو جولة أجزم أن المسؤول الذي قام بها سواء كان وزيراً أو وكيلاً أو مديراً عاماً لا يخرج منها بغير صدى عبارات “طال عمرك” التي تصله من جميع الاتجاهات.

إنهم أثناء الجولات لا يرون غير الجانب الحسن من الجهة المستهدفة ولا يسمعون غير الإيجابيات إن وجدت وهم يعلمون ذلك سلفاً بدليل أن المسؤول يصر على اصطحاب عدد من مراسلي الصحف معه أثناء الزيارة وهو ما لا يمكن أن يحدث لو علم المسؤول أنه سيرى الصورة الحقيقية أو السلبية!!.

ثم أين عنصر المفاجأة فيما يدعى تجاوزاً بالزيارات المفاجئة وهي لا محالة محددة ضمن جدول معاليه في مكتبه وفي الحاسب الآلي ومعلومة لدى عدد من موظفيه وصحبه الكرام بل ومدير العلاقات العامة الذي يفترض منه دعوة زملائه الإعلاميين (بالغ أحد الصحفيين في الاستجابة لطلب مسؤول العلاقات بتغطية زيارة أحد الوزراء فكتب: الوزير الفلاني يقوم بزيارة تفقدية “مفاجئة” غداً!!).

إن وقت ودور الوزير أو وكيل الوزارة أو المدير العام أثمن وأكبر من أن يجند لزيارات ميدانية وهي قد تعكس عدم الثقة في جهازه الرقابي، إن وجد، وأرجو أن لا يقال إن الزيارة تهدف للتأكد من فاعلية الجهاز الرقابي لأن هذه الفاعلية محكها الحقيقي استمرار القصور أو سرعة كشفه ووقفه.

والمسؤول الجاد هو من ينشىء جهازاً رقابياً ويمنحه الصلاحية ويوظف به الثقات ويحملهم المسؤولية ويطالبهم بتقارير دورية ويؤيدها بدعمه وتشجيعه ويترك لهم أمر الزيارات المفاجئة.

أما الزيارات الميدانية فقد تزيد من درجة اطمئنان المقصر لأن الفرع أو الإدارة التي تمت زيارتها تتخدر وتنام تماماً لفترة وزارية كاملة لأنها تعلم أن الوزير لا يزور مكاناً مرتين هذا إضافة لما ذكرناه من أن الزائر لا يسمع ولا يرى إلا ما يسعده فقط.

اترك رد