اجترار الكفاءات

نظلم بلادنا لو قلنا إننا نعاني من شح في الكفاءات البشرية والطاقات المؤهلة، لأن هذه البلاد كانت السباقة إلى تنمية الموارد البشرية المؤهلة بالابتعاث وفتح قنوات تطوير القدرات.
إذاً ما الذي يجعلنا نجتر الكفاءات اجتراراً ونكرر الأسماء والأشخاص في نفس المواقع أو في مواقع مختلفة؟!

المشكلة تكمن في آلية الكشف عن الكفاءات وإمكانية الوصول إلى نقطة أو بؤرة أو بقعة ضوء الكشاف.

الآلية تتم عن طريق الاختيار أو التزكية من داخل بقعة الضوء لكن الوصول إلى تلك النقطة مرهون بعبور عوازل بشرية محكمة ممن وصلوا مبكراً ولا يريدون لغيرهم الوصول.

لو تخيلت مقطعاً أفقياً في مجتمعنا الوظيفي ستجد أن كل مسؤول تحيط به دائرة بشرية من المقربين لا تسمح لأي مستجد مهما بلغ من الكفاءة والإمكانات والقدرات من عبور هذه الدائرة إلى المسؤول لا عبوراً فعلياً ولا حتى بالسمعة إلاّ برغبة الدائرة ولذا فإن الكفاءات المؤهلة الجديدة تسبح في الظل وسط قناعة تامة بأنها لا يمكن أن تكتشف.

العوازل البشرية ليست كالعوازل الكهربية أو الحرارية عديمة التوصيل تماماً بل هي انتقائية في الاتجاهين تنقل ما تريد إلى المسؤول وتنقل إلى السابحين في الظل عن المسؤول ما يثبط هممهم وتصور لهم أن مواصفاتهم لا توافق توجهاته.

هذه ليست نظرة متشائم بل تصوير موجز لواقع لا تكاد دائرة أو وزارة أو مستوى من درجات المسؤولية يخلو منه، بل إن ثمة تبعات لا تقل خطورة لهذه التركيبة المزمنة فحتى الإبداعات والأفكار والمقترحات الناجحة للفئة المحجوبة قد ينسبها الناقل لنفسه دون أن تكتشف هذه الممارسة نظراً لصعوبة الاتصال وتوحيد مصدر استقاء المعلومة.

لذلك فإن من الحكمة والعدل أن يخرج المسؤول من دائرة الشلة المغلقة وينفتح على الجميع لتتسع أمامه الخيارات ويكتشف بنفسه الكفاءات ويشرح نفسه للشريحة الأكبرفليس أسوأ من أن تسمع عن من حولك من قلة منهم وأن يسمع من حولك عنك من غيرك.

إن ما يصور لنا بأنه مضيعة لوقت هام قد يغير لدينا مفاهيم كثيرة ويعرفنا على وجوه جديدة تخرجنا من عقدة أن من حولنا هم النخبة وتجعلنا نكتشف طاقات جديدة شابة كانت كنزاً أخفيت عمداً وهذا لا يتم إلاّ عبر فتح الأبواب وتكثيف اللقاءات المفتوحة واعتبار البحث والتنقيب عن الكفاءات مباشرة ودون وسيط هو الخيار الوحيد لاستغلال الكنوز البشرية لهذا الوطن المعطاء آخذين في الاعتبار أن من طبائع النفس البشرية أنها لا تزكي عليها غيرها.

اترك رد