طب وتجارة العجز الجنسي

ليس أخطر من الانغلاق التام إلا الانفتاح دون ضوابط!! وأعتقد أننا في مجال التعامل مع الجنس وأمراضه وعلله انفتحنا مؤخراً انفتاحاً غير مقنن، واستغل هذا الانفتاح أطباء من المحسوبين على المهنة ووكلاء المقويات الجنسية بل وبعض مديري شركات الأدوية.
في الثمانينات الميلادية وحتى منتصف التسعينات كنا نعاني من غلق أبواب التعاطي مع التثقيف الطبي الجنسي إلى درجة أن الكتب التي تتناول الجنس تصادر وتباع في السوق السوداء بمنتهى السرية والخفية!!

كان لذلك المسلك مساوئه التي استغلها أنصاف الأطباء في تأليف كتب بمعلومات سطحية غير موثقة كانت تمثل بضاعة مرغوبة لأنها ممنوعة، وتسببت في تشويش أذهان المراهقين بمعلومات مغلوطة عن الجنس لابد وأنه كان لها الأثر السيىء لكنه لن يكون أسوأ مما يحدث الآن.

اليوم وكعادتنا عندما نطلق العنان نطلقه دون ضوابط بل أننا نهمل حتى تطبيق الضوابط الأخلاقية المتعارف عليها للمهنة والقوانين التي يفترض أن تحكم العلاقة بين المتلقي والمعلومة!!.

لقد أصبح بعض المحسوبين على مهنة الطب يتحدثون عن العجز الجنسي في جميع وسائل الإعلام، المقروءة والمرئية وكأنه مشكلة وطنية!! ويتناولون تفاصيل الضعف الجنسي بطريقة لا تحسب أدنى حساب لفئة عمرية من القراء والمشاهدين ممن هم أقل من السن التي تستوعب مفردات ومعاني وتبعات ما يقال أو يكتب!! (في أكثر دول العالم إباحية يسبق تناول مثل هذه المواضيع تنبيه بأنها لا تناسب من هم أقل من 18سنة ويحدد وقتها بعد نوم الأطفال).

الأطباء كغيرهم من البشر، الكثيرون منهم ملتزمون بأخلاق المهنة وقلة منهم انتهازيون ماديون غايتهم الكسب المادي باستغلال المهنة وهذه الغاية تبرر عندهم أي وسيلة!!.

لقد انتهز بعض الأطباء هذا الانفتاح أو على الأصح (الانفلات) في مجال تناول الجنس طبياً للدعاية لأنفسهم ومداعبة وتر الألم النفسي المصاحب للضعف الجنسي بالحديث عن تفاصيل ما يدعون أنها طرقهم في العلاج مع أن هذه الفئة من الأطباء هم من المحنطين الذين توقف تعاطيهم للمعلومات والحديث في مجال الطب منذ أن اتخذوا من الطب وسيلة لبناء علاقات مصالح شخصية مع الموسرين من مرضاهم ومع شركات الأدوية ووكلائها لذا فإنهم يفرطون في وصف المقويات الجنسية وذكر محاسنها وأسمائها التجارية دون التطرق إلى أضرارها محققين كسباً مزدوجاً من المريض المتعطش الموسر في شكل عطاء سخي ومن الوكيل أو الشركة الصانعة في هيئة رشوة واضحة للترويج للدواء!!.

لقد بالغ هؤلاء في تناول موضوع الضعف الجنسي إعلامياً بطريقة غير مقبولة لا تربوياً ولا طبياً ولا أخلاقياً وتتعارض مع أسس أخلاقيات مهنة الطب المعروفة عالمياً.

إن من الخطورة بمكان أن تترك العلاقة بين الطب والإعلام دون ضوابط تخدم بالدرجة الأولى المصلحة العامة وحقوق المريض وحقوق الأطباء المنضبطين!! وما يحدث لدينا حالياً أحد الأمثلة الواضحة لخطورة هذه الممارسة الخاطئة وما ينجم عنها من التمادي من كافة الأطراف!!.

الدول المتقدمة رغم استباحتها لبعض القيم الاجتماعية عن طريق السلوكيات الحرة للأفراد إلا أنها لا يمكن أن تستبيح القيم المهنية أو تتركها لذمم المهنيين، بمعنى أن كثيراً مما ينشر لدينا حالياً من تفاصيل عن الجنس بحجة أنها معلومات طبية لا يمكن أن تنشر في تلك المجتمعات. كما أنها تمنع الطبيب من أن يعلن عن نفسه أو عن تميزه وقدراته ومؤهلاته في وسائل الإعلام ومن البديهي أنها تمنع منعاً باتاً الترويج لدواء جديد أو قديم في وسائل الإعلام.

لا يمكن لمدير شركة دوائية في أمريكا أو أوروبا، رغم قلة الحياء، أن يقول أن مقوياً جنسياً بيض الوجه أو رفع الرؤوس ليلاً، أولاً لأن مدير الشركة لا يقل دبلوماسية وأدباً عن أي صاحب منصب دبلوماسي لذا فإنه لا يمكن أن يربط تبييض الوجه أو رفع الرأس بالقدرة الجنسية فهو يحسب ألف حساب لمن لا يملكون هذه القدرة حتى باستخدام العلاج!!، وثانياً لأنه يدرك أنه ليس من حقه الدعاية لمنتجاته للعامة في وسائل الإعلام، وثالثاً لأنه يعلم أن الترويج هو من مهام مندوب الدعاية.

إن افتقادنا لهذه الضوابط الدقيقة والهامة أتاح الفرصة لضعاف النفوس في استغلال إعلامنا للتركيز على أمر العجز الجنسي بطريقة تصورنا وكأننا مجتمع همه الأكبر الجنس وهو أمر لا يقل خطورة عما كان الإعلام الخارجي المعادي يحاول ترسيخه عنا وهو أننا مجتمع مفرط في الفحولة غير المقننة!!

اترك رد