الجامعات الأهلية وتبرير الوزير

عودة إلى تصريح معالي وزير التعليم العالي حيث أشار إلى ان التوجه إلى دعم إنشاء جامعات وكليات أهلية يهدف إلى التوسع في إنشاء الكليات التي يحتاجها سوق العمل مثل الحاسب الآلي وغيرها. وحقيقة لولا أن ذلك التصريح نشر في أكثر من صحيفة في نفس اليوم، السبت 25جمادى الآخرة 1424هـ، لقلت إن ثمة خطأ مطبعياً لكن الواضح انه تصريح مجاز من ادارة العلاقات العامة أو مرسل للصحف كما جاء من المصدر وهو أمر فيه غرابة لأننا نعلم جميعاً ان مشكلتنا مع الجامعات والكليات الحكومية تكمن في عدم القبول وليس في شح مخرجات التخصصات المطلوبة في سوق العمل (هذا باستثناء التمريض فقط).
أي ان المعاناة الحقيقية لمجتمعنا تكمن في عدم قبول الكليات لخريجي الثانوية العامة رغم نسبهم العالية وفي الوقت ذاته عدم توفر فرص عمل للخريجين حتى في التخصصات الحيوية فثمة أطباء وأطباء أسنان وصيادلة ومتخصصون في الحاسب الآلي لم يجدوا فرصاً وظيفية حتى بعد سنوات من تخرجهم وأحد أسباب هذه الكارثة أن القطاع الخاص بمستشفياته وشركاته يحجم عن الإسهام بتوظيف السعوديين ويتجه نحو التعاقد من الخارج كونه أرخص وبالرغم من وضوح الجحود والتنكر في هذا السلوك من القطاع المدعوم إلا ان لدينا من هم مغرمون جداً بدعم هذا القطاع دون سبب مقنع أو مصلحة عامة بل ربما أن المصلحة الخاصة تقتضي الدعم والشراكة تفرض الغرام.

ومادام الواقع أننا لا نعاني من نقص في مخرجات التخصصات التي يحتاجها سوق العمل باستثناء التمريض فكيف يمكن قبول التبرير بأن الكليات الأهلية ستخدم المجتمع عن طريق تلبية احتياجات سوق العمل إلا إذا كانت جميعها كليات تمريض وهذا مستحيل.

إن محاولة ايجاد مبررات لدعم مشاريع تجارية لا يتناسب مع روح الشفافية والتوجه نحو المصارحة وتشخيص الواقع ومحاولة علاجه فالواقع في هذا الصدد هو أن مخرجات التعليم الجامعي والعالي الحكومية موجودة لكنها لا تستوعب أعداد المتقدمين ولم يتم تفعيل خطوات عملية لزيادة عدد المقبولين كما نصت التوجيهات أي لم يتم زيادة القدرة الاستيعابية لهذه الكليات، وفي الوقت ذاته فإن سوق العمل يوصد أبوابه أمام الأعداد القليلة المتخرجة حتى في مجال التخصصات التي نوهم أنفسنا أنها مطلوبة في سوق العمل لدينا لأن النسبة العظمى من فرص العمل متوفرة حالياً في القطاع الخاص وهذا القطاع يحتاج التخصصات المقصودة لكنه انتقائي يريدها غير سعودية رخيصة متجاهلاً كالعادة الدعم السابق وواجبه نحو الإسهام في توفير فرص العمل للسعوديين وهو بذلك لا يعنيه ان يكون الخريج تعلم مجاناً في جامعة حكومية أو تعلم على حسابه في جامعة أهلية وبالتالي فإن تبرير دعم إنشاء كليات أهلية لتزويد سوق العمل بالتخصصات المطلوبة يفتقر للصراحة والواقعية.

إن التبرير الواقعي المقبول، الشفاف هو أن الكليات والجامعات الحكومية غير قادرة على استيعاب المتقدمين إليها ولا يمكنها عملياً زيادة قبول الأعداد المتقدمة لأن قدرتها الاستيعابية لم يخطط لها بشكل صحيح أي بشكل يتنبأ بعدد المتقدمين وأن الكم الهائل من المتقدمين للجامعات الحكومية المرفوض قبولهم سيحولون إلى كليات تستثمر في تعليمهم على حسابهم كما يحدث مع الكلية التجارية الحالية ولأن المشكلة لا علاقة لها بشح مخرجات يحتاجها سوق العمل أو قل يتقبلها سوق العمل فإن هؤلاء الطلاب الذين سيكونون قد دفعوا مبالغ طائلة لمواصلة تعليمهم الجامعي لن يجدوا في سوق العمل المذكور وظائف تعوض ما صرفوه على الدراسة وسوف ينضمون إلى من سبقوهم في طابور البطالة ولكن هذه المرة بطالة مدفوعة التكاليف.

وعليه فإنني أعتقد ان الأجدر بالدعم هي الجامعات الحكومية لتستطيع عملياً زيادة الاستيعاب وإذا كان لابد من إنشاء جامعات أهلية فإنها ليست في حاجة للدعم الحكومي فالمستحقون للدعم هم الطلاب الذين سيلتحقون بالجامعات الأهلية أي ان الإعانات أو القروض الحكومية أو فرق السعر الرمزي للأراضي يفترض أن نحولها جميعاً إلى منح دراسية لعدد من الطلاب ليدرسوا في الجامعات الأهلية على حساب المنحة.

أجزم أن معالي وزير التعليم العالي هو مع مصلحة الجامعات الحكومية ومع مصلحة وحقوق طالبي التعليم ولا ينطبق عليه ما ذكر من تعاطف مع القطاع الخاص إلا ان إيراد ذلك التبرير ربما أُسيء إيصاله بالطريقة الصحيحة وإن كنت أتمنى ان يكون قد أُسيء فهمه لأن مواقف معاليه دائماً مع مصلحة التعليم العالي وتسهيل تحقيقه لأهدافه.

اترك رد