العدالة في همّ الولادة

يأتي المخاض امرأة وتعصرها آلام الولادة فتجوب المدينة بحثاً عن مستشفى حكومي يقبل مساعدتها لإهداء الوطن مواطناً جديداً قد يكون من أنفع الناس لوطنه، وتضيف لسجلات التعداد رقماً جديداً ربما أصبح رقم سعادة في تاريخ البلاد.
وتكون الفاجعة “المتوقعة بناء على معطيات هذا العصر” حيث يتم رفض قبول إدخال مواطنة لتضع حملها في جميع المستشفيات الحكومية التابعة لقطاعات مختلفة فتضطر بعد ان أوشكت على الولادة في موقف السيارات في إسعاف مستشفى “حكومي” ان تقبل بدفع مبلغ 5000ريال “بدل ولادة” أو قل غرامة ولادة ليتم قبولها في القسم التجاري من المستشفى ضمن فئة “ب” أي غرفة مشتركة.

وتشعر امرأة أخرى بما يشبه أعراض الحمل التي يمكن أن تكون غثياناً ناجماً عن تخمة تناول وجبة مطعم صيني فاخر فتطلب من بعلها فتح ثلاث ملفات في ثلاثة مستشفيات حكومية لأن أحدها يتميز بمستوى فاخر في عملية استقبال وضيافة قسم الـ VIP فيه والآخر بتوفر عنصر توليد نسائي والثالث بقسم ما بعد الولادة الذي يحوي جناحاً يليق بالمفاخرة، فيتم فتح الملفات دفعة واحدة مجاناً في ثلاثة مستشفيات حكومية “خمسة نجوم فندقية” لتضع في أحدهما غلاماً ربما كان سبب أزمة اقتصادية وتنعم أينما ذهبت لأي من هذه المستشفيات المجانية بضيافة من الدرجة الممتازة فما عليها إلا ان تهز جانب السرير ليتوافد عليها خدماً أوروبياً.

الأمر لا مبالغة فيه فالصورة الأولى من قصة واقعية “طازجة” الحدوث لامرأة سعودية لم تجد مكاناً تضع فيه حملها والصورة المغايرة تحدث يومياً عندما تتوفر “واسطة” الدعم والاستثناء.

أعلم ان معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع يسعى جاهداً لتصحيح وضع شح القبول في أقسام الولادة الحكومية التابعة لوزارة الصحة بدليل مبادرته بتسخير المدينة الطبية المهملة واستغلال جزء منها للولادة، كما انه غير ملام على ما حدث من تراكمات سنين عديدة قبله.

لذا فإنني أكتفي بتذكيره بعدم توفر فرص متساوية عادلة لكافة المواطنين في استغلال المستشفيات والإمكانات التي وفرتها الدولة في الخدمات الصحية للقطاعات الأخرى إضافة لمستشفيات الوزارة وهذا ينطبق على كل جوانب الرعاية الصحية وليست الولادة فقط، فبعض المواطنين يمكنه العلاج والمراجعة واجراء نفس التحاليل والفحوصات مكررة في أكثر من ثلاثة مستشفيات متقدمة، اما الفئة الأخرى فإنهم يعالجون على حسابهم الخاص في القطاع الأهلي أو لا يعالجون ونقصد “من ليس له صاحب!!”.

كنت منذ عدة سنوات اقترحت استخدام رقم بطاقة الأحوال كرقم طبي وربط جميع المستشفيات بالحاسب الآلي لمنع تكرار فتح الملفات الطبية مما سيؤدي إلى وفر كبير في كثير من المصاريف إلى جانب تخفيف العبء على جميع المستشفيات ليمكنها استيعاب جميع المحتاجين بفرص متساوية. وبمتابعة ما تم بهذا الخصوص علمنا ان لجاناً عليا كانت جادة في معالجة هذا الأمر بتطبيق ما سمي “بالبطاقة الذكية” لكن مشروع هذه البطاقة أحيل إلى الخدمات الطبية بالأمن العام لإبداء الرأي حسب ما ذكره تعقيب لمديرها الدكتور مفتي ويبدو ان “مشاغل” هذه الخدمات لم تتح لها الفرصة “لإبداء” الرأي وبالرغم من تعقيبي على هذا الموضوع بعدة تساؤلات فلم أجد إجابة!!

يا معالي وزير الصحة، ضمن خطواتك السريعة النشيطة، أناشدك سحب هذه المعاملة من أدراجهم وإعادة إحيائها، فالواضح ان البعض لا يسرهم إيجاد فرص علاج مجانية حكومية لكافة المواطنين لأنه لا يخدم مصلحة مستوصفاتهم الخاصة والمستشفيات الأهلية التي يملكون عدداً من أسهمها.

اترك رد