ثقافة التأجيل

إذا كانت الصحافة في نقدها الساخر ورسومها الكاريكاتورية ركزت على نوع واحد من أنواع تعطيل معاملات المواطنين وهو أشهر هذه الأنواع والمعروف بعبارة “راجعنا بكرة” فإنه لابد من التذكير بأن هذا الأسلوب ليس الوحيد الذي يمارسه المعنيون بتسيير أمور المواطنين وإنهاء إجراءات معاملاتهم.
التأجيل طبع سائد نعاني منه ولا يوجد له مبرر غير الكسل وغياب الرقيب وعدم توفر القدرة على الشكوى واستحالة الوصول للمسؤول الكبير دون مبرر قوي وشكوى التعطيل أو التأجيل لا يعتبرها مديرو المكاتب مبرراً كافياً للدخول على الوزير أو وكيل الوزارة.

نعاني من متلازمة التأجيل لأننا نستثقل أداء الواجب لكل الناس ولذلك فإن العلاج الناجع حالياً للخلاص من هذا المعوق لسير الأمور هو استخدام “الواسطة” لأن الواسطة تشحذ الهمم وتنشط قوى الإخلاص المهملة فيتحول الموظف إلى شعلة نشاط وحركة دائبة وتعجيل بدل التأجيل ومرونة بدلاً من التيبس ولهذا فقد انتشرت الواسطة وتفشت وأصبحت الأمور لا تسير مطلقاً إلا بالبحث عن معرفة “هذا في الاجراءات الروتينية طبعاً أما في غيرها من الاستثناءات الكبرى فإن الواسطة تأتي في كامل حللها وزينتها.

ثقافة التأجيل، كما يحلو لي تسميتها تتمثل في كل أوراق “روزنامة” التقويم لدينا وتشاركنا في تفاصيل عناصر الوقت بدءاً بالساعة مروراً باليوم والأسبوع ثم الشهر والسنة. وإليكم أمثلة بسيطة لكنها “ويعلم الله” تلعب دوراً كبيراً في تعطيل وقت ومصالح المراجعين وتسبب لهم قلقاً نفسياً ربما لا يملك الجميع التعبير عنه:

تراجع الموظف قبل أو حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً في أمر لا يستغرق جرة قلم أو تسجيل وارد فتسمع عبارة “بعد الصلاة”، وتصل بأوراقك بعد طول طريق وازدحام خروج مدارس إلى الموظف قبل انتهاء الدوام بساعة كاملة فتسمع “اليوم ما يمديها تعال بكرة”.

معظم مراجعات يوم الأربعاء التي تنقصها الشفاعة تصاحبها عبارة راجعنا السبت.

منذ العاشر من شعبان تبدأ دوائرنا الحكومية في تأجيل جل نشاطها واجتماعاتها والبت في مشاريع هامة إلى ما بعد رمضان فتكاد لا تسمع في أروقة دوائر الحكومة إلا عبارة “خلها بعد رمضان، تعرف رمضان الله يشرفه” مع أن شهر رمضان من أفضل الفترات للإنجاز لمن يريد الانجاز.

قبل إجازة العيد بأكثر من عشرة أيام يتأجل كل شيء إلى “بعد العيد” وهكذا مع عطلة الحج والإجازة الصيفية.

إن حمى التأجيل ترتفع حرارتها لدينا يوماً بعد يوم تؤخرنا دون أن نشعر سنوات عديدة وتعطل مصالح المحتاجين وأخطر من هذا وذاك تثير اشمئزازهم وتحبطهم دون أن تكون لديهم القدرة على الشكوى وهذا خطير جداً.

اترك رد