صحافة تقيل

لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية هامش حرية الرأي المتاح حالياً خاصة في الإعلام المكتوب، كما أن هذا الهامش من حيث المساحة لا يمكن إنكار أنه تمدد مقارنة بأي وقت مضى، وهذا حدث بلا شك نتيجة قناعة بأهمية الشفافية والمكاشفة والحوار والنصيحة الصادقة في الإسهام في تصحيح كثير من المسارات وعلاج بعض المشكلات وكشف بعض الأخطاء والممارسات لمن هم حريصون كل الحرص على تصحيح الاعوجاج أينما وجد ومحاربة الفساد وضمان حقوق المواطنين وإنجاز معاملاتهم وتسيير مصالحهم دون تقاعس وعلاج مشكلة الفقر ووقف الهدر وإنعاش الاقتصاد وغير ذلك من خطوات وتوجهات مخلصة.
ولا يمكن لمنصف أن يدعي أن صحافتنا أساءت استغلال هذا الهامش أو بالغت في استغلاله فحتى هذا التاريخ فإن صحافتنا تتعامل بقدر كبير من المسؤولية والرزانة وضمن الإطار الذي يحقق المصلحة العامة دون مبالغة أو تقصير أو تقاعس، وإن كانت شهادتي في الإعلام مجروحة عندما أرتدي “غترة” ولا أقول “قبعة” الكاتب وهذا يحدث ثلاث مرات أسبوعياً إلا أنني أرتدي ثوب القارئ كل دقيقة وأرى أن من يمكن أن يجرؤ على ظلم إعلامنا في هذا الصدد هو من كانت لديه الجرأة على المخالفة التي قد تكشفها الصحافة.

بيت القصيد والأهم في أمر الدور الهام للإعلام هو أن هامش حرية النقد وحده لا يكفي ما لم يتم التجاوب مع ما يطرح في شكل مساءلة للجهة المقصرة ومحاسبة جادة للمقصر.

القضية التي تقيمها الصحافة يجب أن لا تقعد إلا بعد تصحيح الأخطاء والملف الذي يفتحه طرح صحفي هادف يجب أن لا يغلق إلا بإصلاح الاعوجاج.

إن الدعوات الصادقة التي توجه لإعلامنا المحلي بالإسهام في تنوير المسؤول وإصلاح العيوب وممارسة النقد الهادف لا تهدف إلى مجرد التنفيس بطرح المشكلة بل نابعة من ثقة في قدرة إعلامنا على لعب دوره الهام ودلالة على وعي المسؤول بأهمية ذلك الدور وتلك الأهمية تكمن في توفر عنصر التفاعل مع ما يطرح على أعلى المستويات.

معظم الملفات التي فتحتها الصحافة في دول تؤمن بأن الإعلام هو نبض الشارع لم تغلق إلا على تفاعل وتنفيذ وكل تلك الملفات أعقبها تحقيقات ومساءلة ولذلك فإن كل عنصر في المجتمع موظفاً صغيراً أو مسؤولاً كبيراً أو نجماً مشهوراً يحسب ألف حساب للسلطة الرابعة قبل أن يهم بمخالفة لأنه يعلم أن ما توقظه الصحافة لا ينام في اليوم التالي وما تحركه لا يسكن وما تفتحه لا يغلق إلا بما يرضي الشارع وهذا ما نريده.

نريد أن يقرن هامش الحرية بهامش تجاوب حتى لا يعتقد انه مجرد تنفيس أو استجابة لظروف وقتية أو تحقيق لمطلب خارجي لأنه ليس كذلك.. هو خطوة في طريق تصحيح صادق وجاد ولذا لابد من استكماله بالتفاعل الحازم معه.

أقول ذلك وأنا أرى بعين القارئ أن كثيراً من النقاد المخلصين والمحققين الصحفيين والمراسلين النشطين أثاروا قضايا جديرة بالاهتمام وفتحوا ملفات تستحق التفاعل ومرت مروراً هادئاً ثم نسيت.

اترك رد