نبض الشارع

نخطىء إذا ركزنا على دراسة المستجدات والمتغيرات في مجتمعنا من جانب واحد هو الأبرز وهو الجانب الأيديولوجي أو المتمثل في الغلو.
وبرغم أهمية الحوار الوطني بمفهومه العميق المقتصر على نخبة من المثقفين والعلماء إلا أنه ليس الحوار الوحيد الذي نحتاج إليه لمعالجة الوضع الذي أصبح معه الشارع أو المجتمع ككل وسطاً مناسباً لتقبل أي أفكار أو انتقادات أو صور لممارسات ربما طرحت بطريقة مبالغ فيها.

نحن في حاجة إلى سلسلة حوارات مستمرة ودائمة بين المسؤولين عن القرار والمعنيين به، بين الوزير وعامة الناس، بين أعلى الهرم الإداري في المؤسسة وأصغر موظف فيها، بين من يشاع أنه سبب في القصور أو الممارسات الخاطئة وبين المتضررين من ذلك القصور.

أي بصفة أعم حوار صادق شفاف بين المواطن والمسؤول دون حواجز أو أسئلة مكتوبة أو قطع مداخلة.

منذ عدة سنوات عاتبني هاتفياً أحد الوزراء على نقد وجهته إلى وزارته، وخلال المكالمة حاولت الإيضاح بأن ثمة قصوراً واضحاً في أساسيات هامة تفتقدها الفئة المستفيدة من الوزارة في حين نسمع ونرى في الإعلام تطبيلاً لأمور ثانوية مكلفة مقارنة بالأساسيات وفي سياق محاولة إقناعه قلت له إننا إنما ننقل لك ما يدور في الشارع “أقصد نبض الشارع” فما كان منه إلا أن قال “بئس المرجعية، إذا كان مرجعك هو كلام شوارع”!!.

بدا واضحاً أن معاليه خلط بين حديث الشارع كنبض وشكوى وانطباع يستخدمه الساسة في قياس نجاحهم وأصحاب القرار في تقييم قراراتهم وبين شائعة الشوارع كأداة توثيق.

إننا في أمس الحاجة إلى حوارات تستشف نبض الشارع وشكوى المواطن ومشاكله ومع من هذه المعاناة؟ وممن يعاني؟ وكيف؟ وهو نبض يستحيل أن تقيسه جهة واحدة مهما بلغت من القدرات والإمكانات الاستخبارية بل يستحيل عليها نقله بنفس الوضوح الذي يوفره الحوار المفتوح.

الجهات المختصة في قياس نبض الشارع يجب أن تحضر كل تلك الحوارات المفتوحة وسترفع تقارير لا تخطىء.

في زمن مضى صعد كثيرون على أكتاف إدارة الحوار ممن كانوا يفرضون أسلوب الأسئلة المكتوبة والانتقاء ثم التباهي بأنهم لعبوا دور الفلتر الذكي وهؤلاء يجب أن نكف أذاهم عن الحوارات الصادقة فالحوار يجب أن يكون مباشراً شفافاً مع تحديد حجم المسؤولية عند الخروج عن أدب الحوار وهذا سهل جداً.

إن أسلوب الأسئلة المكتوبة المفلترة من قبل مدير الجلسة لا تعتبر حواراً فمن المستحيل أن تمر كل الأفكار والآراء المتباينة من فكر واحد كمن يمرر النهر من خرم إبرة.

حتى المسؤول لا يسعده أن تمر الأفكار من فلتر واحد لأنه بذلك لا يرى إلا ما يعتقد فكر ذلك الفلتر أنه سليم!!.

إن واقع الحال المتمثل في حجم الشكوى في الصحف وحجم الاتصال بالبرامج المباشرة في الفضائيات تؤكد أن فتح باب الحوار المباشر أمام جمع من الناس بين المواطن والمسؤول بات ضرورياً ويعتبر أسرع الطرق لتشخيص الواقع وتهدئة النفوس وكشف مواطن التقصير وإخافة المقصر، لأنه ليس أبغض لموظف مقصر من أن تكون لديك القدرة للوصول إلى أعلى الهرم.

اترك رد