بائعة الماء

لا أود الربط بين تقصير وزارة العمل والشؤون الاجتماعية فيما يخص الرعاية الاجتماعية وتحديداً جانب تلمس حاجات الفقراء ممن لا يسألون الناس إلحافاً مع أنهم يعانون أشد المعاناة من مسببات الحاجة والعوز ذات العلاقة المباشرة بالوزارة أو وكالتها للشؤون الاجتماعية والمتمثلة في البطالة، وارتفاع مستوى المعيشة غير المتناسب مطلقاً مع مخصصات الضمان الاجتماعي “إن كان الضمان يشملهم” وعدم تسهيل سبل اكتساب العيش عن طريق ممارسة أعمال تدر دخلاً ولو بسيطاً بل على العكس من التسهيل فإن ثمة تعقيداً ومحاربة لأنشطة مباحة فبدلاً من أن تسعى وزارة الشؤون الاجتماعية إلى إيجاد قنوات قروض ميسرة تساعد بعض أفراد الأسر الفقيرة من نساء وكهول وشباب على فتح مباسط أو بدء مشروعات تدر دخلاً فإن الوزارة تصمت إزاء ملاحقة البائعات في الأسواق ومصادرة بضائعهن من قبل نمور مراقبي البلديات.
أقول لا أود الربط بين هذا التقصير والنشاط المنقطع النظير لنفس الوكالة في نفس الوزارة في أمر مكافحة التسول فقد ربطت سابقاً بين ذلك الفرق الهائل في الحيوية الميدانية مستغرباً “ولا زلت” أستغرب توفر أساطيل من السيارات وأعداد من الأفراد وتكاتف من جميع الجهات فيما يخص محاربة ظاهرة التسول في حين تمر تلك الأساطيل بمن يفترشون الأرصفة ويسكنون بقايا السيارات الخردة ومن يجوبون الشوارع في حالة نفسية تدعو للشفقة وصغار تحرقهم شمس بيع الماء والمناديل عند الإشارات وكأن الأمر لا يعني نفس الوكالة في نفس الوزارة.

أنا لست مع التسول ولست ضد منع حدوث التسول لكني أتمنى أن يكون لدينا نفس الحماس الميداني نحو قضايا أكثر أهمية وأشد خطراً من التسول إلا إذا كنا نحارب المظاهر التي تسيء إلينا ولا نكترث بالجواهر التي تهدد مجتمعنا فإذا كان الأمركذلك فإن لدينا خللاً في الأولويات وهو خلل جد خطير لأن التشطيبات لا تفيد لإصلاح مبنى جدرانه متهالكة.

إن الهائمين بدون مأوى عرضة للاستغلال في جوانب عدة وهم إذا أسيء استغلال عوزهم وضياعهم أخطر بكثير من متسول ان أعطي أخذ وإن لم يعط شحذ لكنه جبل على الأخذ دون مقابل!!.

إن كل ما أطلبه أن نضيف إلى مهمة الأساطيل المجهزة لمكافحة التسول مهام أخرى أكثر أهمية وهي دراسة وضع الشريحة الأكثر أهمية وهم الهائمون بدون مأوى وساكنو بقايا السيارات والعشش والمرضى النفسيون ممن يمترون الشوارع بصمت أو تمتمة قد يكون لها معنى.

يا أخي اعتبروهم متسولين وأسألوا عن حالهم فهم جزء من المجتمع وهم بالتأكيد مواطنون وحسب ما أجري معهم من حوارات صحفية فإن لديهم ما يستحق الاهتمام.

توقفوا عند بعض إشارات المرور واعتبروا من تبيع الماء وعلى كتفها رضيع تحرقه الشمس متسولة واسألوها كيف يمكن مساعدتها بطريقة أكثر سلامة لها ولطفلها على الأقل لأن طريقتها يسيء “شكلها” لمجتمعنا.

بالمناسبة لو أن متسولة أخرجت عند رؤية رجال المكافحة قارورة ماء باردة من كيس تحت عباءتها وصاحت “بارد بريال” هل يقبض عليها أم لا؟! ولماذا؟!.

اترك رد