قهر الرجال

عندما تغيب النظم المكتوبة ولا تكون النظم والإجراءات المتوفرة شاملة ودقيقة ومفصلة فإن الفرصة تكون مواتية لحدوث الفوضى ويصبح كل من هب ودب قادراً على الأمر والنهي.
خذ على سبيل المثال لا الحصر الأفراد المنتمين لشركات الحراسة الأمنية “شركات تجارية تتعاقد لتنظيم مسار العمل وحراسة بعض المؤسسات التجارية أو المستشفيات الحكومية والأهلية وخلافها”.

هؤلاء الأفراد بطبيعة الحال ليسوا رجال أمن رسميين وهم مجرد أدوات نظام وتنظيم و”حساسات” أمنية يفترض أن لا تملك أي صلاحية للإيقاف أو إجبار شخص على البقاء ناهيك عن اعتقاله وكل ما تملكه من صلاحية هو التنظيم ومن ثم تبليغ جهات الأمن الرسمية للتدخل عند الحاجة وصلاحيتهم في ذلك لا تتعدى صلاحيات أي مواطن مدني متعاون يبلغ عن مخالفة أو مخالف.

يمكن لرجل الحراسة الأمنية التجارية منعك من دخول المنشأة التي يحرسها، لكنه لا يمكن أن يمنعك من الخروج منها بأي حال من الأحوال.

ولعدم وجود نظم وإجراءات تفصيلية دقيقة فإن بعض أفراد الحراسات الأمنية التجارية يصدقون أحياناً أنهم رجال أمن رسميون فيمارسون نفس الصلاحيات النظامية لرجال الشرطة بل أحياناً قد يمارسون نفس العادات المكتسبة له كالتعنيف مثلاً أو الدفع أو الضرب والطرح وإن كنت نحيفاً ضعيفاً يابساً فقد تمارس في حقك القسمة!!

لقد بلغنا ولله الحمد مبلغاً جيداً من تنظيم العلاقة بين الجهات الرسمية والمواطن والمقيم ولعل الأنظمة الجديدة التي تحدد مسار ومدة الإيقاف ودور كل من الشرطة وهيئة التحقيق والادعاء العام في هذه العلاقة أوضح دليل على أننا نسير في بداية الطريق الصحيح.

ومن الخطأ أن نستهين بأمر تنظيم العلاقة بين الجهات التجارية مثل مؤسسات الأمن تلك والمراجع فهذه تحتاج إلى إيضاح دائم للحدود والصلاحيات وتوعية المواطن والمقيم بذلك وإلا أسيء استخدام ذلك الزي التجاري ومنح هيبة أكثر مما يستحق خاصة مع ضعاف الوعي من عمالة مقيمة أو مواطن طيب إلى حد الاستغلال وتلك الهيبة قد توظف للكسب أيضاً خاصة مع المقيمين!!

الأمر الآخر الذي لا يقل أهمية هو من يصدر الأمر على رجال الأمن والحراسة من النوعين؟! ففي هذا الأمر يحدث خلط كبير مبني على اجتهادات أو متروك لمستوى تفكير فرد الأمن أو الحراسة خاصة في الدوائر والمؤسسات.

خذ على سبيل المثال أحدث الأمثلة ذلك الذي نشر شكواه في جريدة الوطن في عدد أمس الثلاثاء من سوء تعامل طبيب أحد المستشفيات مع حالة طفله المتسمم دوائياً، والقصة محزنة في كل تفاصيلها وتستحق موقفا حازما متوقعا من وزير الصحة، لكن ما له علاقة بموضوعنا اليوم هو تجاوب رجال الحراسة مع أمر ذلك الطبيب بعدم السماح للمواطن بالمغادرة مع طفله ومحاولة رجال الحراسة منعه من الخروج من ذلك المستشفى!! بأي حق يمنع من الخروج؟! وبأي حق يتلقى رجال الأمن الأمر من طبيب؟!

عشت موقفاً مشابهاً غريباً ومحزناً وطريفاً منذ حوالي أربع سنوات في أحد مجمعات الشاليهات الراقية في “عروس” البحر الأحمر جدة عندما لاحظت ان شلة مدير المجمع يلاحقون رجلاً أنيقاً محترماً يسير مع زوجته وأطفاله ويطلبون منه مغادرة سوق الدرة رغم أنه ساكن بحجة أن ثمة خلاف بينه وبين مديرهم والرجل المحترم يصر على حقه في التجول كغيره مع عائلته ويطلب منهم تركه وشأنه، استمر التنغيص على ذلك الرجل حتى الفجر ثم حضر جيب الشرطة كاستجابة لطلب مدير الشاليهات “وأمرهم” باصطحابه الى المركز وكادوا أن يفعلوا لولا أن الرجل سقط أرضاً لكونه مريض قلب وسكر وزوجته تحمل علاجه في يدها وتستنجد.

بحكم الفضول الصحي تدخلت كصيدلي وحاولت إنعاش قلبه فوجدت أنه ربما اضطر للتمثيل تلافياً لقهر الرجال أو إنني كنت قوياً بما يكفي لإنعاش قلبه من أول لمسه!!

وبحكم الفضول الصحفي قلت لرجال الشرطة لا أظنك تقبض على مواطن بأمر تاجر وأنا أشهد أنه لم يرتكب أدنى مخالفة تستحق ما تعرض له من قهر من شلة مدير الشاليه.

كان الضابط متفهماً وطلب كتابة شهادتي وحملنا الرجل إلى حيث يسكن بعرق جبينه ونقوده، وصحح خطأ كاد أن يكون كبيراً.

بقي أن نصحح أمر مسار تعامل أفراد الحراسة مع الناس ومن يأمر من؟!

اترك رد