الشجاعة الحقة

كأننا لم نكن ندرك أن السيل يتبع “المطامن” وانه يبحث عن طريقه اذا سد طريقه وأن نفق العمارية سوف يغرق ويُغءرِق معه ابرياء لأننا تعاملنا ببراءة الصغار مع “لكاعة” التجار.
نعم لقد شكلنا لجنة من عدة جهات حكومية لدراسة وضع المخططات العمرانية والزامها بالتقيد بأنظمة البلديات الخاصة بالحفاظ على مجاري السيول والحيلولة دون إغلاقها هكذا صرح معالي وزير النقل د. جبارة الصريصري وكأننا قبل تشكيل هذه اللجنة “سامحون” لتجار المخططات العمرانية بعدم التقيد بأنظمة البلديات وغير ملزمين لهم بالحفاظ على مجاري السيول بل كأن النظم يسهل ان تنتهك فإذا نزل الغيث وكشف المستور لعامة الناس وجب أن تشكل لجنة.

ترى كم من المخالفات والممارسات لم يكشفها السيل، وهل فعلاً أصبح حالنا حال وجه ممثلة قبيحة ينكشف قبحها مع أول قطرة ماء تغسل أصباغها؟!

لقد نبهتنا كل أنواع وأشكال الظواهر المناخية من رياح وأمطار وحرارة وبرودة، وكل أصناف الكوارث من أوبئة وأمراض وسقوط مبان واحتراق طائرات واحتراق مدارس نبهتنا بأننا قوم لا نتحرك إلا بعد أن يقع الفاس في الرأس لكننا لم نستفد كثيراً من تلك التنبيهات في تلافي كوارث من نوع آخر فكل نوع نحتاج فيه الا منبه خاص.

لنجعل غرق نفق العمارية مثلاً مثلما كانت حرائق المباني أمثلة، هل يجهل كل من غض الطرف عن تجار مخططات العقار ان الأودية والشعاب ومجاري السيول التي طمرت وبيعت في شكل مخططات ستجعل السيل يرتد ليبحث عن “مطمن” مثل نفق العمارية يتجه إليه؟!

اسمحوا لي هنا بوقفة مع مطالبة سابقة فقد اقترحت في هذه الزاوية ان لا نعفي المسؤول بعد تقاعده او استقالته من المساءلة عما حدث في فترة مسؤوليته من أخطاء أو اختلاس وخلافه فلو علم الموظف انه ملاحق حتى بعد استقالته لكان ثمة رادع اما علاقة ذلك بردم الأودية والشعاب فإن البعض كان يدرك جيداً اننا لا نسيل الا بعد عشرات السنين من الجفاف وكان يدرك أن السيل الذي سيفضح تواطئه قد لا يجيء الا بعد ابتعاده.

لقد ابدع الزميل عبدالعزيز الجارالله كعادته في التعليق على موضوع النفق وراح في زاويتين حتى اليوم يثير الرعب في قلوب المتسببين وشخصياً أؤيد أبي المعتز أن وزير النقل كان شجاعاً عندما صرح بمسؤولية تجار العقار عما حدث، لكنها شجاعة بمقياسنا الحالي والذي أصبح فيه من يتجرأ على هؤلاء يصنف شجاعاً حتى لو كان وزيراً عاملاً وهو أمر غير مستغرب في زمن تمادى أولئك التجار الذين صنعهم هذا الوطن من لا شيء وعندما احتاج إليهم ورفق بهم استعلوا واستكبروا!! ألم تر أنهم في مجال تجارة المستشفيات يشتكون ويرفعون القضايا على المستشفيات الحكومية، لماذا؟! لأن المستشفيات الحكومية أصبحت تعالج بعض المرضى في عيادات شبه تجارية بأسعار أقل قليلاً من أسعارهم!! لقد أصبحوا يعتبرون الدولة تنافسهم على ضحايا جشعهم!! يريدون من مستشفيات الدولة ان تضيق على المرضى حتى يلجأوا إليهم فيستغلوهم.

وطالما أننا وصلنا الى هذا الحد من التمادي فإن موقف وزير النقل يصنف ضمن الشجاعة وان كنت شخصياً ارى انه سيكون شجاعاً أكثر لو أشار الى الجهة الحكومية المسؤولة عن غض الطرف عن تلك المخططات وسيكون اكثر انصافاً لو حقق داخل وزارته مع المسؤولين القدامى الذين شاركوا في انشاء ذلك النفق ولم يتساءلو آنذاك كيف يتركونه حفرة لاحتضان سيل طمرت مجاريه؟! ويوافقون على انشائه وكأن مجاري السيول لم تطمر فإذا كانت طمرت بعد إنشاء النفق ليترك عرضة لأن يكون مجمعاً لسيول عدة أودية ألغيت عياناً بياناً فإن ثمة جهة حكومية تغاضت والشجاعة في أن يشار إليها بالبنان.

اترك رد