السنة: 2003

كثر القائلون وقل الفاعلون

كلما سمعت وزيراً يتحدث عن المثاليات ويمني الناس بأحلام عصافير يستحيل عليهم حتى مجرد تخيلها لأنهم يعيشون حقيقة الحرمان من أساسيات سهلة وصغائر أمور يسيرة.
وكلما سمعت وزيراً يضخم للمسؤول أفعاله ويثني عليها والواقع يشهد أن أبسط الاحتياجات غير متوفرة.

أقول كلما سمعت هذا وذاك تذكرت قول المأمون عندما وعظه رجل فأصغى إليه منصتا فلما انتهى الرجل من نصحه قال المأمون: “قد سمعت موعظتك، فأسأل الله أن ينفعنا بها وبما علمنا، غير أنا أحوج إلى المعاونة بالفعال منا الى المعاونة بالمقال، فقد كثر القائلون، وقل الفاعلون”، انتهى ما قاله المأمون.

أقول وبالله التوفيق، إذا كان المأمون ومنذ العصر العباسي قد قرر أن إحصائية القائلين غلبت الفاعلين بل إن أهل القول في تزايد وأهل العمل في تناقص منذ ذلك الوقت، فكيف هي الحال بنا اليوم؟

في عصر المأمون لم يكن هناك مذياع ولا تلفاز ولا انترنت أي أن أدوات القول كانت محدودة جدا تقتصر على الخطب “غير المنقولة بوسائل الإعلام” والقصائد الشعرية وحديث مجلس أمير المؤمنين ومع ذلك لاحظ المأمون أن القائلين في تزايد والفاعلين في تناقص فكيف بعصرنا هذا حيث تتوفر تقنيات الإغراء على القول من كاميرات تلفزيونية (ديجتال) تحمل ميكروفونات لاقطة تحول الصور الملونة المتحركة والصوت الجهوري إلى قنوات محلية وفضائية عربية وعالمية، إضافة إلى “فلاشات” صحفية مبهرة يبدو أنها تسبب الإدمان للبعض والتعود للبعض الآخر.

وفي المقابل لا توجد تقنيات الإجبار على العمل فقنوات المحاسبة والمتابعة شبه غائبة ووسائل الإعلام التي تنقل القول في اليوم نفسه لا تقدم تقارير عن التقصير في العمل باستثناء الفلاشات الصحفية التي إذا نقلت الوقع المخالف للقول قوبلت بالنفي “والنفي يتم بتقنية القول نفسها”!

أخشى أن زماننا هذا أصبح قولا كله وانعدم فيه الفعل، فشواهد الأقوال كثيرة وما يلمس من الأفعال قليل جدا وهذا ما نلحظه بالعين المجردة دون ارتداء نظارة سوداء فقد كثرت مناسبات الأقوال وقلت نتائج الأفعال وأصبحت فترات وزارية تنتهي وتتجدد وتنتهي وسمتها الأقوال والأماني والأحلام.

أجمل ما في الحياة الدنيا أن الأفعال تبقى لها آثار وعلامات ورموز تدعو إلى ذكر أصحابها بالخير بينما تخلف الأقوال تساؤلات وانتظاراً لا يلبث أن يطويه اليأس بعد أن يذكر أصحاب الأٍقوال باللوم والدعاء عليهم إذ وعدوا وأخلفوا.

منذ اليوم الذي قرر فيه المأمون إحصائيته عن تزايد القائلين ونَقءصِ الفاعلين وحتى يومنا هذا فإن آثار الأفعال باقية ووزر الأقوال ينتظر أصحابها.

كلمة الوزير

لو افترضنا جدلاً صحة التقليد الذي سنّه وزير التربية والتعليم والمتمثل في إلقاء خطبة تتناقلها وسائل الإعلام وتنقل على الشبكة العنكبوتية موجهة للآباء والأمهات والطلاب والمعلمين بمناسبة بدء العام الدراسي (خطبة سنوية) فإن من الأولى أن يلقي وزير التعليم العالي خطبة عصماء في المناسبة نفسها يوجهها لطلاب وطالبات الجامعات وأساتذة ومعيدي الجامعات.
لكننا لا نعتقد بسلامة هذا التقليد غير المبرر لأننا إذا اعتقدنا بأهميته فمعنى ذلك أن على وزير الصحة أن يوجه كلمة سنوية لجميع الأطباء والصيادلة والممرضات والمرضى والمريضات مع بداية كل عام وعلى وزير الزراعة أن يوجه خطبة للمزارعين وموظفي الوزارة مع كل موسم حرث ووضع بذور.. وهكذا مع كل وزير وهو أمر غير منطقي ولا مقبول لأن التقليد الصحيح المحبب هو أن نستمع إلى كلمة القيادة بمناسبة الأعياد بما تحمله من صادق المشاعر للوطن والأمة الإسلامية والعربية والعالم أجمع وبما لها من بعد سياسي واجتماعي وأهمية على كافة المستويات.

هذا من حيث المبدأ، مبدأ إلقاء وزير التعليم خطبة سنوية في كافة المواطنين لأننا جميعاً إما آباء أو أمهات أو طلاباً أو طالبات أو معلمين ومعلمات وتربويين وخلافه، أما من حيث تفاصيل كلمة وزير التربية والتعليم فإن الملحوظ أن الوزير خاطب الآباء والأمهات بلهجة توجيهية وكأنهم جميعاً في حاجة إلى توعية مع أن فيهم وزراء وأساتذة جامعات في نفس مستوى معاليه ومنهم مثقفون وكبار أطباء، أي أن شريحة كبيرة منهم تحتاج إلى من يسمع آراءهم عوضاً عن أن يوجههم.

توجيه المعلمين كان من الممكن أن يتم عن طريق لقاء مفتوح مع عدد كبير منهم يستمع إلى شكواهم ومشاكلهم ومقترحاتهم النابعة من خبرة ميدانية يفتقدها الإداريون الذين يصنعون قراراً لا يعايشون سلبياته على أرض الواقع والتطبيق!!. ولا مانع أن تنقل أحداث هذا اللقاء ليشاهدها بقية المعلمين ويستفيدوا من التوجيه والحوار.

الطلاب يكفي أن يوجههم وينصحهم المعلمون.

وبالرغم من أن الكلمة “توجيهية” فقد تحدث الوزير عن مشاريع الوزارة و”إنجازاتها” وذكر من ضمنها المشاركة في برنامج جلوب مؤكداً أن الكرة الأرضية ملك للجميع وهي لا تعترف بالحدود السياسية الوهمية التي رسمها الإنسان “انتهى” وهنا لا بد أن نذكّر الوزير ونائبه أن مدارس البنات لدينا لا تقبل تسجيل طالبة ما لم تحضر فاتورة الكهرباء لكي تثبت انها من سكان الحي مع أن أحياء المدينة لا تفصلها حدود!! ولن تضطر أم لتسجيل ابنتها في مدرسة في حي أخر إلا لأن الحي الذي تقطنه ليس به مدرسة وبالتالي فإن من المهين أن تترك تتقاذفها المدارس بالرفض ومن التخلف أن لا تثبت أحقيتها بتسجيل ابنتها إلا بإرفاق فاتورة كهرباء.

تسمع كلام وزارة التربية والتعليم الكبير فيعجبك وترى صغر أفعالها فتتعجب!!.

من غرائب التعليم

ليعذرني وزير التربية والتعليم ونائبه فقد شدني الحنين لممارسة الأبحاث والدراسات فقررت أن أستغل فراغ الطلاب والطالبات وإجازتي السنوية وأوزع استبياناً عن مدى رضى طلاب وطالبات المدارس الحكومية عن وضع هذه المدارس من عدة جوانب أحدها توفير البيئة المناسبة للدراسة وقضاء ست ساعات يومياً، على أقل تقدير.
اختيار زمن العطلة المدرسية لم يكن لمجرد استغلال الفراغ ولكن تلافياً لانتشار خبر الاستبيان بين الطالبات والطلاب ثم صدور تعميم يهدد من يكتشف تورطه في تعبئة الاستبيان بالفصل أو إعادة سنة دراسية واعتبار السنة الماضية (سنة تحضيرية)!!

لن تكفي هذه المساحة لمجرد إيجاز الانطباع الأولي عن نتائج الدراسة، وأعد بأن أقدمها عند استكمال تحليل البيانات لمن يقبل النصيحة والرأي الآخر في وزارة التربية والتعليم.

اسمحوا لي بأن أتطرق وبسرعة لما بدأ يتضح لي حول عنصر واحد فقط، لكنه هام، هو توفر الحد الأدنى لتلبية الاحتياجات الآدمية خلال ست ساعات يقضيها مجموعة من البشر في المدرسة منهم الأطفال والصغار والمراهقون من بنين أو بنات.

اتضح بشبه إجماع أن البيئة المدرسية لا توفر أبسط مقومات السلامة أو الوقاية ناهيك عن الجو المناسب لاستيعاب الدرس، وهذه معلومات ليست بجديدة إلا في بعض التفاصيل. فمثلاً لم يدر بخلدي قط أن بناتنا أثناء فترة الاختبارات “بداية الصيف الحار” يتم إخراجهن من الفصول وإنزالهن للساحة بين حصص الامتحانات ويتركن في الشمس حتى لا يكتبن على الطاولات أو يخبئن البراشيم!!

كنت أعتقد أن شحوب الخارجة من الاختبار وسواد بشرتها وذبولها كان بسبب صعوبة الامتحان أو الشحن النفسي، كنت أحسب أن البقاء في الشمس حكراً على المحكومين بالأعمال الشاقة.

في أمر آخر هام فإنني شخصياً أعتبر أن قضاء الحاجات الآدمية في جو من الخصوصية والصحية، أهم من تعليم الحاسب أو برامج الموهوبين، فتلك الخصوصية طبع بشري يجمع عليه جميع سكان العالم المتحضر والمتخلف على حد سواء “حتى بعض الحيوانات تحرص على الانعزال عند قضاء حاجاتها الفسيولوجية!!

هل يعلم الوزير أن 90% من الطالبات في المدرسة الحكومية لا يستخدمن دورة المياه في المدرسة مهما كان السبب لأنها غير مناسبة لدخول البشر ولا تحقق أبسط احتياجات الطهارة ناهيك عن النظافة والصحة، ولأنها أيضاً لا تحقق الستر ولا الخصوصية بسبب عدم إمكانية غلق الباب أو حتى سده!!

يقول العديد منهن أنها تفضل التحجج بأية حجة للغياب أو التمارض للخروج من المدرسة إذا علمت أنها ستحتاج إلى دورة المياه!!

كيف لطالب أن يصبح موهوباً أو يستوعب استخدامات الحاسب الآلي وهو لا يستطيع أن يقضي حاجته؟! ألم أقل لكم أن صيانة المدارس أهم من بلايين تصرف على الحاسب والموهوبين!!، لكن ثمة فرق أهم لمن يعشق الأضواء، ما قيمة خبر صحفي عن افتتاح دورة مياه؟!

أطرف ما في الدراسة أن أُمّا تقول بأن ابنتها الصغيرة في المرحلة الابتدائية تسعى إلى مصالحة زميلتها مهما حدث من شجار ويهمها كسب ودها لأنها الوحيدة التي تمسك لها باب الحمام وتحرسها بإخلاص حتى تنتهي “ربما تهدف الوزارة من عدم الصيانة إلى إصلاح ذات البين”.

تقول إحدى طالبات المرحلة الثانوية: لا أدخل دورة المياه إلا لإصلاح “طرحتي” في المرآة والتأكد من نضارة وجهي، لكنهم يرشون المرايا بواسطة “بخاخ” الدهان حتى لا نتمكن من النظر في المرآة، فنقوم بحك “البوية” لننظر إلى وجوهنا!!

عجباً، لماذا وضعت المرايا إذا كانت سوف تدهن وهل من “التربية” منع النظر في المرآة؟! ربما أرادت أن تزيل بعض إفرازات عينيها صباحاً مجاملة لمشاعر الزميلات وحتى لو أرادت أن تتزين في المدرسة فما المانع؟!

إنها متلازمة التناقض بين القول والعمل.

صحافة تقيل

لا يمكن لأحد أن يقلل من أهمية هامش حرية الرأي المتاح حالياً خاصة في الإعلام المكتوب، كما أن هذا الهامش من حيث المساحة لا يمكن إنكار أنه تمدد مقارنة بأي وقت مضى، وهذا حدث بلا شك نتيجة قناعة بأهمية الشفافية والمكاشفة والحوار والنصيحة الصادقة في الإسهام في تصحيح كثير من المسارات وعلاج بعض المشكلات وكشف بعض الأخطاء والممارسات لمن هم حريصون كل الحرص على تصحيح الاعوجاج أينما وجد ومحاربة الفساد وضمان حقوق المواطنين وإنجاز معاملاتهم وتسيير مصالحهم دون تقاعس وعلاج مشكلة الفقر ووقف الهدر وإنعاش الاقتصاد وغير ذلك من خطوات وتوجهات مخلصة.
ولا يمكن لمنصف أن يدعي أن صحافتنا أساءت استغلال هذا الهامش أو بالغت في استغلاله فحتى هذا التاريخ فإن صحافتنا تتعامل بقدر كبير من المسؤولية والرزانة وضمن الإطار الذي يحقق المصلحة العامة دون مبالغة أو تقصير أو تقاعس، وإن كانت شهادتي في الإعلام مجروحة عندما أرتدي “غترة” ولا أقول “قبعة” الكاتب وهذا يحدث ثلاث مرات أسبوعياً إلا أنني أرتدي ثوب القارئ كل دقيقة وأرى أن من يمكن أن يجرؤ على ظلم إعلامنا في هذا الصدد هو من كانت لديه الجرأة على المخالفة التي قد تكشفها الصحافة.

بيت القصيد والأهم في أمر الدور الهام للإعلام هو أن هامش حرية النقد وحده لا يكفي ما لم يتم التجاوب مع ما يطرح في شكل مساءلة للجهة المقصرة ومحاسبة جادة للمقصر.

القضية التي تقيمها الصحافة يجب أن لا تقعد إلا بعد تصحيح الأخطاء والملف الذي يفتحه طرح صحفي هادف يجب أن لا يغلق إلا بإصلاح الاعوجاج.

إن الدعوات الصادقة التي توجه لإعلامنا المحلي بالإسهام في تنوير المسؤول وإصلاح العيوب وممارسة النقد الهادف لا تهدف إلى مجرد التنفيس بطرح المشكلة بل نابعة من ثقة في قدرة إعلامنا على لعب دوره الهام ودلالة على وعي المسؤول بأهمية ذلك الدور وتلك الأهمية تكمن في توفر عنصر التفاعل مع ما يطرح على أعلى المستويات.

معظم الملفات التي فتحتها الصحافة في دول تؤمن بأن الإعلام هو نبض الشارع لم تغلق إلا على تفاعل وتنفيذ وكل تلك الملفات أعقبها تحقيقات ومساءلة ولذلك فإن كل عنصر في المجتمع موظفاً صغيراً أو مسؤولاً كبيراً أو نجماً مشهوراً يحسب ألف حساب للسلطة الرابعة قبل أن يهم بمخالفة لأنه يعلم أن ما توقظه الصحافة لا ينام في اليوم التالي وما تحركه لا يسكن وما تفتحه لا يغلق إلا بما يرضي الشارع وهذا ما نريده.

نريد أن يقرن هامش الحرية بهامش تجاوب حتى لا يعتقد انه مجرد تنفيس أو استجابة لظروف وقتية أو تحقيق لمطلب خارجي لأنه ليس كذلك.. هو خطوة في طريق تصحيح صادق وجاد ولذا لابد من استكماله بالتفاعل الحازم معه.

أقول ذلك وأنا أرى بعين القارئ أن كثيراً من النقاد المخلصين والمحققين الصحفيين والمراسلين النشطين أثاروا قضايا جديرة بالاهتمام وفتحوا ملفات تستحق التفاعل ومرت مروراً هادئاً ثم نسيت.

ثقافة التأجيل

إذا كانت الصحافة في نقدها الساخر ورسومها الكاريكاتورية ركزت على نوع واحد من أنواع تعطيل معاملات المواطنين وهو أشهر هذه الأنواع والمعروف بعبارة “راجعنا بكرة” فإنه لابد من التذكير بأن هذا الأسلوب ليس الوحيد الذي يمارسه المعنيون بتسيير أمور المواطنين وإنهاء إجراءات معاملاتهم.
التأجيل طبع سائد نعاني منه ولا يوجد له مبرر غير الكسل وغياب الرقيب وعدم توفر القدرة على الشكوى واستحالة الوصول للمسؤول الكبير دون مبرر قوي وشكوى التعطيل أو التأجيل لا يعتبرها مديرو المكاتب مبرراً كافياً للدخول على الوزير أو وكيل الوزارة.

نعاني من متلازمة التأجيل لأننا نستثقل أداء الواجب لكل الناس ولذلك فإن العلاج الناجع حالياً للخلاص من هذا المعوق لسير الأمور هو استخدام “الواسطة” لأن الواسطة تشحذ الهمم وتنشط قوى الإخلاص المهملة فيتحول الموظف إلى شعلة نشاط وحركة دائبة وتعجيل بدل التأجيل ومرونة بدلاً من التيبس ولهذا فقد انتشرت الواسطة وتفشت وأصبحت الأمور لا تسير مطلقاً إلا بالبحث عن معرفة “هذا في الاجراءات الروتينية طبعاً أما في غيرها من الاستثناءات الكبرى فإن الواسطة تأتي في كامل حللها وزينتها.

ثقافة التأجيل، كما يحلو لي تسميتها تتمثل في كل أوراق “روزنامة” التقويم لدينا وتشاركنا في تفاصيل عناصر الوقت بدءاً بالساعة مروراً باليوم والأسبوع ثم الشهر والسنة. وإليكم أمثلة بسيطة لكنها “ويعلم الله” تلعب دوراً كبيراً في تعطيل وقت ومصالح المراجعين وتسبب لهم قلقاً نفسياً ربما لا يملك الجميع التعبير عنه:

تراجع الموظف قبل أو حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً في أمر لا يستغرق جرة قلم أو تسجيل وارد فتسمع عبارة “بعد الصلاة”، وتصل بأوراقك بعد طول طريق وازدحام خروج مدارس إلى الموظف قبل انتهاء الدوام بساعة كاملة فتسمع “اليوم ما يمديها تعال بكرة”.

معظم مراجعات يوم الأربعاء التي تنقصها الشفاعة تصاحبها عبارة راجعنا السبت.

منذ العاشر من شعبان تبدأ دوائرنا الحكومية في تأجيل جل نشاطها واجتماعاتها والبت في مشاريع هامة إلى ما بعد رمضان فتكاد لا تسمع في أروقة دوائر الحكومة إلا عبارة “خلها بعد رمضان، تعرف رمضان الله يشرفه” مع أن شهر رمضان من أفضل الفترات للإنجاز لمن يريد الانجاز.

قبل إجازة العيد بأكثر من عشرة أيام يتأجل كل شيء إلى “بعد العيد” وهكذا مع عطلة الحج والإجازة الصيفية.

إن حمى التأجيل ترتفع حرارتها لدينا يوماً بعد يوم تؤخرنا دون أن نشعر سنوات عديدة وتعطل مصالح المحتاجين وأخطر من هذا وذاك تثير اشمئزازهم وتحبطهم دون أن تكون لديهم القدرة على الشكوى وهذا خطير جداً.

سفارة يشد بهاالظهر!!

في التقرير الصحفي الذي نشرته جريدة “الرياض” يوم الخميس الماضي حول دفن رفاة المواطن السعودي فهد عقيل الظفيري أول أسير سعودي الجنسية ثبت أن نظام صدام حسين أعدمه ضمن جرائم القتل الجماعي أجاد الزميل الصحفي سعد العجمي كعادته في تغطية الموضوع بشمولية وتقصّ للمعلومة خاصة فيما يتعلق بغياب سفارة المملكة في الكويت عن مراسم الدفن والقيام بواجب العزاء لأسرة الفقيد فقد حاول جاهداً وعن طريق اتصالات مكثفة بجميع الأطراف المعنية سواء في السفارة أو الخارجية الكويتية أو فريق البحث والتحري معرفة مبررات مقنعة لعدم مشاركة سفارة المملكة في الكويت في هذه المناسبة الهامة إنسانياً وسياسياً ودولياً لكنه لم يجد غير مبرر تنطبق عليه صفة العذر العائم وهو رد القائم بالأعمال في السفارة حسب ما أورده تقرير الزميل سعد العجمي “لم نبلغ رسمياً ولم نعرف إلا عن طريق الإعلام”.
عجباً لهذا الإعلام، أخباره عن الوفاة لا يعتد بها في مجرد تقديم عزاء وفي الوقت ذاته تدفع مئات الألوف لتقديم العزاء عبر صفحات الإعلان فيه!!

لا أريد التركيز على موقف سفارتنا في الكويت وإن كنت أعتقد ان اكتشاف رفات أسير سعودي قتله نظام الطاغية كان يفترض أن يعامل كحدث هام تقديراً للمواطن وتسخيراً للبعد السياسي والدولي لتوفر دليل إثبات على قتل أسير سعودي.

دعونا نتريث حتى نقرأ رداً أو تبريراً من السفارة ونركز على موضوع نحن في أمس الحاجة إلى إثارته اليوم بمناسبة ما حدث مع جثمان المواطن الظفيري “رحمه الله” وبمناسبة ما يحدث من إيذاء لكل من ينتمي إلى هذا البلد الأمين بسبب تركيز الإعلام الصهيوني في أمريكا وبعض دول أوروبا على الربط بين أحداث 11سبتمبر والإرهاب من جهة ومواطني هذا البلد.

الموضوع هو مدى اهتمام سفاراتنا في الخارج باتخاذ مواقف صلبة وقوية للوقوف مع المواطن السعودي في أي محنة يتعرض لها، مواقف داعمة من شأنها أن تشعر تلك الدول وشعوبها أن المواطن السعودي يحظى بدعم بلاده وحماية حقوقه وأنه تقف خلفه سفارة لا يمكن أن تسمح بالإساءة إليه، وسوف تستخدم كل ثقلها السياسي والدبلوماسي وإمكاناتها القانونية للنيل ممن يسيء إليه أو يظلمه.

إن قوة الجنسية تستمد من قوة ونشاط السفارة التي تمثلها وليس بالضرورة أن تستمد من القوة العسكرية للبلد نفسه، ولعل لدينا هنا أمثلة واضحة من عمالة منزلية تتفاوت هيبة كل منها حسب قوة ونشاط سفارتها في ضمان حقوقه والدفاع عنه.

تقيم الدول العظمى الدنيا وتقعدها من أجل قضية مواطن لأنها تدرك أن هيبة الوطن من هيبة المواطن.

ان أمر اهتمام سفاراتنا بمواطنيها يجب أن لا يترك لنشاط واجتهاد كل سفارة منفردة، لابد أن يكون هناك نظم وإجراءات مكتوبة ملزمة يتم اتباعها حسب كل موقف وقضية، والتفاعل معه بحسب ما يتطلبه الموقف.

لو وجدت مثل تلك الإجراءات الملزمة لكل السفارات فسوف يصبح من السهل تحديد ما إذا كانت سفارتنا في الكويت قصرت عن واجب أم فاتتها مبادرة ذاتية؟!

وهكذا فإن الموقف إياه يذكرنا بسؤال عريض عن دور سفاراتنا في مساندتنا كظهر قوي.

جثة في بحيرة العقيق

إحدى مشاكلنا المزمنة أننا نرى عيب المواطن ولا نرى عيوب أنفسنا، وتبني بعض الوزارات والأجهزة الحكومية أنظمتها وإجراءاتها الجزائية القاسية على أساس عيوب ممارسات المستهلك أو المواطن والعيب فيها أشد وأعظم.
حادثة انفجار ماسورة الماء في حي العقيق ونشوء بحيرة من الماء النقي المحلى (ماء نحن في أمس الحاجة إلى كل قطرة منه، وصرفنا على تحليته مبالغ نحن في أشد الحاجة إلى كل ريال منها) أقول حادثة هدر الماء ليست المثال الوحيد على مشكلتنا المزمنة تلك فنحن نعيشها شبه يومي مع كل وزارة ودائرة حكومية، لكن وزارة المياه بشاعريتها وحسها المرهف وتدفق مشاعرها ساهمت بتدفق الماء لتذكرنا أن الترشيد في استهلاك الماء شأنه شأن ترشيد الصرف المالي هو مطلب ملح يجب أن يعيه المواطن وليس بالضرورة أن يعيه المسؤول!!، وكأن الترشيد في كافة أشكاله مطلب “مواطني” وليس وطنياً!!

الأمثلة كثيرة، نقولها لأننا نعيشها عياناً بياناً في أوجه كثيرة من حياتنا.

في وقت مضى كان المواطن مطالباً بالترشيد في استخدام الكهرباء لتخفيف الأحمال على المولدات وكانت في الوقت نفسه أضواء الشوارع تعمل نهاراً ومكيفات وأضواء الوزارة على أشدها ليلاً رغم خلو الوزارة

في المقابل ومنذ أن نشأت سحب الأزمة الاقتصادية ووزارة المالية تطالب المواطنين بضرورة تقدير الوضع الذي يحتم التقشف وربط الأحزمة مع أن الوزارة نفسها ترى يومياً أوجه الصرف غير المرشد في جوانب كثيرة ولا تسجل موقفاً أو تحرك ساكناً.

يا أولي الألباب: المواطن بشر له أحاسيس وله مشاعر سريعة التأثر والتغير فإذا قرر الإقلاع عن التدخين ثم شاهد طبيباً يدخن قلت همته حتى في حماية صحته وعاد لممارسة ما يضره، وإذا قرر الترشيد في الكهرباء ثم شاهد أنوار الشوارع تضيء نهاراً أحبط ولم يتعاون وإذا هم بالتقشف تجاوباً مع مطلب وطني ثم لاحظ أن الوطن نفسه لم يتقشف في أوجه صرف أكبر، تقشفت مشاعره الوطنية، وإذا تأثر بلوحات التوسل بأن قطرة الماء ثمينة تستحق من يتلقفها بكفيه ثم رأى أن وزارة الماء لا تعير اهتماماً لقسم الطوارئ ولا تتحرك لإصلاح أنبوب من الضغط العالي حتى يشكل بحيرة في عز الصيف فإنه سوف يعتذر لخادمته عن توبيخه لها بالأمس لأنها غسلت الصحون بماء الصنبور المتدفق ولم تستخدم الحوض وسيصبح مفهوم الترشيد في نظره جثة مطمورة في بحيرة العقيق.

بالمناسبة أود أن أسأل سؤالاً بريئاً جداً: بحيرة العقيق عندما تمتصها الأرض ويتوجه ماؤها إلى “بيارات” سكان الحي فتمتلئ وتحتاج إلى “صهريج” شفط من سيدفع تكلفة الصهريج؟! الشركة سبب العطل أم وزارة المياه، أرجو أن لا يقول أحد بأنه المواطن، لأنه ليس ضمن خيارات الجواب الصحيح ولا يصح إلاّ الصحيح بس الصحيح أن الذي سيدفعها المواطن.

التعليم يستفز المظلومين!!

قلنا فيما مضى وبناءً على ما لاحظه الجميع من عدم اكتراث وزارة التربية والتعليم بمشاكل الناس ومعاناتهم من بعض قرارات الوزارة وعدم قبول هذه الوزارة للرأي الآخر، قلنا ان هذه الوزارة ربما تعاني من أعراض غرور التجديد!!
تعامل الوزارة اللاحق لا ينم عن أن المشكلة مجرد غرور واعتداد بالنفس وتجاهل لوجهات النظر الأخرى، لقد وصل الأمر حد الاستفزاز والعناد والتحدي لمشاعر الناس وهذا لا يخدم الصالح العام ولا ينسجم مع توجه هذه البلاد منذ تأسيسها على يد المغفور له إن شاء الله الملك عبدالعزيز وحتى هذا اليوم الذي بني على احترام رأي ومصالح ومشاعر المواطنين والمحاولة قدر الإمكان تلبية احتياجاتهم ما لم تكن تضر بمصالح الغير أو تتعارض مع الصالح العام.

أحد الشواهد الواضحة جداً على نية وزارة التربية والتعليم تحدي العموم هو إصرار الوزارة على قرارها إعادة السنة الدراسية الأولى لصغار أبرياء تم قبولهم رسمياً قبل إكمالهم السن “البيروقراطية”. ذلك القرار الذي وجد كل أشكال الاستغراب والاستنكار والمعارضة والشكوى لديوان المظالم من جهة وأشكال أخرى من المطالبة والتوسل والرجاء للوزارة لمراعاة نفسيات من سيعيدون سنة دون ذنب اقترفوه.

وزارة التربية والتعليم لم تكتف بمجرد تجاهل الشكاوى مستندة على بطء تحرك ديوان المظالم وامتداد مواعيده ولم تكتف باستحقار عبارات الرجاء والتوسل والتعامل معها بكبرياء المغتر بثقة التجديد.

لقد ذهبت وزارة التربية إلى أبعد من ذلك وأبعد مما كان أي متشائم يتوقع حدوثه، لقد نهجت منهج استفزاز المشاعر فبعد أن أصرت على الاستمرار في تنفيذ قرار خاطئ بإجماع القانونيين والتربويين وأولياء الأمور وأطباء النفس راحت تنشر في الصحف أخباراً متتالية تتغنى بما تعتقده انتصاراً على الرأي العام وتؤكد أن الصغار الأبرياء الذين لا ذنب لهم سوف يفاجأون بأنهم يعيدون السنة الأولى الابتدائية رغم فرحتهم وعلى مدى ثلاثة أشهر أنهم ناجحون ومنقولون إلى الصف الثاني الابتدائي.

أخبار تتحدى الأم الحزينة والأب المقهور بظلم القرار وتؤكد استمرار تعسف لم نتعوده من قبل.

هذه الممارسة هي التي نقصدها حينما نقول بأنها لا تخدم المصلحة العامة فمثل هذا الاستفزاز له انعكاسات تتناقض مع الحب ومشاعر المودة واحترام القرارات السابقة واللاحقة وكل هذه العناصر تحتاجها وزارة مثل وزارة التربية والتعليم ويحتاجها الوطن ويحتاجها المواطن لذا فإننا نؤكد على أن استثارة مشاعر أناس متضررين من قرار جائر عن طريق تكرار نشر أخبار تؤكد استمرار هذا القرار أو تلمح إلى نشوة انتصار باستمراره أمر غير مقبول ولم نتعود عليه.

العدالة في همّ الولادة

يأتي المخاض امرأة وتعصرها آلام الولادة فتجوب المدينة بحثاً عن مستشفى حكومي يقبل مساعدتها لإهداء الوطن مواطناً جديداً قد يكون من أنفع الناس لوطنه، وتضيف لسجلات التعداد رقماً جديداً ربما أصبح رقم سعادة في تاريخ البلاد.
وتكون الفاجعة “المتوقعة بناء على معطيات هذا العصر” حيث يتم رفض قبول إدخال مواطنة لتضع حملها في جميع المستشفيات الحكومية التابعة لقطاعات مختلفة فتضطر بعد ان أوشكت على الولادة في موقف السيارات في إسعاف مستشفى “حكومي” ان تقبل بدفع مبلغ 5000ريال “بدل ولادة” أو قل غرامة ولادة ليتم قبولها في القسم التجاري من المستشفى ضمن فئة “ب” أي غرفة مشتركة.

وتشعر امرأة أخرى بما يشبه أعراض الحمل التي يمكن أن تكون غثياناً ناجماً عن تخمة تناول وجبة مطعم صيني فاخر فتطلب من بعلها فتح ثلاث ملفات في ثلاثة مستشفيات حكومية لأن أحدها يتميز بمستوى فاخر في عملية استقبال وضيافة قسم الـ VIP فيه والآخر بتوفر عنصر توليد نسائي والثالث بقسم ما بعد الولادة الذي يحوي جناحاً يليق بالمفاخرة، فيتم فتح الملفات دفعة واحدة مجاناً في ثلاثة مستشفيات حكومية “خمسة نجوم فندقية” لتضع في أحدهما غلاماً ربما كان سبب أزمة اقتصادية وتنعم أينما ذهبت لأي من هذه المستشفيات المجانية بضيافة من الدرجة الممتازة فما عليها إلا ان تهز جانب السرير ليتوافد عليها خدماً أوروبياً.

الأمر لا مبالغة فيه فالصورة الأولى من قصة واقعية “طازجة” الحدوث لامرأة سعودية لم تجد مكاناً تضع فيه حملها والصورة المغايرة تحدث يومياً عندما تتوفر “واسطة” الدعم والاستثناء.

أعلم ان معالي وزير الصحة الدكتور حمد المانع يسعى جاهداً لتصحيح وضع شح القبول في أقسام الولادة الحكومية التابعة لوزارة الصحة بدليل مبادرته بتسخير المدينة الطبية المهملة واستغلال جزء منها للولادة، كما انه غير ملام على ما حدث من تراكمات سنين عديدة قبله.

لذا فإنني أكتفي بتذكيره بعدم توفر فرص متساوية عادلة لكافة المواطنين في استغلال المستشفيات والإمكانات التي وفرتها الدولة في الخدمات الصحية للقطاعات الأخرى إضافة لمستشفيات الوزارة وهذا ينطبق على كل جوانب الرعاية الصحية وليست الولادة فقط، فبعض المواطنين يمكنه العلاج والمراجعة واجراء نفس التحاليل والفحوصات مكررة في أكثر من ثلاثة مستشفيات متقدمة، اما الفئة الأخرى فإنهم يعالجون على حسابهم الخاص في القطاع الأهلي أو لا يعالجون ونقصد “من ليس له صاحب!!”.

كنت منذ عدة سنوات اقترحت استخدام رقم بطاقة الأحوال كرقم طبي وربط جميع المستشفيات بالحاسب الآلي لمنع تكرار فتح الملفات الطبية مما سيؤدي إلى وفر كبير في كثير من المصاريف إلى جانب تخفيف العبء على جميع المستشفيات ليمكنها استيعاب جميع المحتاجين بفرص متساوية. وبمتابعة ما تم بهذا الخصوص علمنا ان لجاناً عليا كانت جادة في معالجة هذا الأمر بتطبيق ما سمي “بالبطاقة الذكية” لكن مشروع هذه البطاقة أحيل إلى الخدمات الطبية بالأمن العام لإبداء الرأي حسب ما ذكره تعقيب لمديرها الدكتور مفتي ويبدو ان “مشاغل” هذه الخدمات لم تتح لها الفرصة “لإبداء” الرأي وبالرغم من تعقيبي على هذا الموضوع بعدة تساؤلات فلم أجد إجابة!!

يا معالي وزير الصحة، ضمن خطواتك السريعة النشيطة، أناشدك سحب هذه المعاملة من أدراجهم وإعادة إحيائها، فالواضح ان البعض لا يسرهم إيجاد فرص علاج مجانية حكومية لكافة المواطنين لأنه لا يخدم مصلحة مستوصفاتهم الخاصة والمستشفيات الأهلية التي يملكون عدداً من أسهمها.

الجامعات الأهلية وتبرير الوزير

عودة إلى تصريح معالي وزير التعليم العالي حيث أشار إلى ان التوجه إلى دعم إنشاء جامعات وكليات أهلية يهدف إلى التوسع في إنشاء الكليات التي يحتاجها سوق العمل مثل الحاسب الآلي وغيرها. وحقيقة لولا أن ذلك التصريح نشر في أكثر من صحيفة في نفس اليوم، السبت 25جمادى الآخرة 1424هـ، لقلت إن ثمة خطأ مطبعياً لكن الواضح انه تصريح مجاز من ادارة العلاقات العامة أو مرسل للصحف كما جاء من المصدر وهو أمر فيه غرابة لأننا نعلم جميعاً ان مشكلتنا مع الجامعات والكليات الحكومية تكمن في عدم القبول وليس في شح مخرجات التخصصات المطلوبة في سوق العمل (هذا باستثناء التمريض فقط).
أي ان المعاناة الحقيقية لمجتمعنا تكمن في عدم قبول الكليات لخريجي الثانوية العامة رغم نسبهم العالية وفي الوقت ذاته عدم توفر فرص عمل للخريجين حتى في التخصصات الحيوية فثمة أطباء وأطباء أسنان وصيادلة ومتخصصون في الحاسب الآلي لم يجدوا فرصاً وظيفية حتى بعد سنوات من تخرجهم وأحد أسباب هذه الكارثة أن القطاع الخاص بمستشفياته وشركاته يحجم عن الإسهام بتوظيف السعوديين ويتجه نحو التعاقد من الخارج كونه أرخص وبالرغم من وضوح الجحود والتنكر في هذا السلوك من القطاع المدعوم إلا ان لدينا من هم مغرمون جداً بدعم هذا القطاع دون سبب مقنع أو مصلحة عامة بل ربما أن المصلحة الخاصة تقتضي الدعم والشراكة تفرض الغرام.

ومادام الواقع أننا لا نعاني من نقص في مخرجات التخصصات التي يحتاجها سوق العمل باستثناء التمريض فكيف يمكن قبول التبرير بأن الكليات الأهلية ستخدم المجتمع عن طريق تلبية احتياجات سوق العمل إلا إذا كانت جميعها كليات تمريض وهذا مستحيل.

إن محاولة ايجاد مبررات لدعم مشاريع تجارية لا يتناسب مع روح الشفافية والتوجه نحو المصارحة وتشخيص الواقع ومحاولة علاجه فالواقع في هذا الصدد هو أن مخرجات التعليم الجامعي والعالي الحكومية موجودة لكنها لا تستوعب أعداد المتقدمين ولم يتم تفعيل خطوات عملية لزيادة عدد المقبولين كما نصت التوجيهات أي لم يتم زيادة القدرة الاستيعابية لهذه الكليات، وفي الوقت ذاته فإن سوق العمل يوصد أبوابه أمام الأعداد القليلة المتخرجة حتى في مجال التخصصات التي نوهم أنفسنا أنها مطلوبة في سوق العمل لدينا لأن النسبة العظمى من فرص العمل متوفرة حالياً في القطاع الخاص وهذا القطاع يحتاج التخصصات المقصودة لكنه انتقائي يريدها غير سعودية رخيصة متجاهلاً كالعادة الدعم السابق وواجبه نحو الإسهام في توفير فرص العمل للسعوديين وهو بذلك لا يعنيه ان يكون الخريج تعلم مجاناً في جامعة حكومية أو تعلم على حسابه في جامعة أهلية وبالتالي فإن تبرير دعم إنشاء كليات أهلية لتزويد سوق العمل بالتخصصات المطلوبة يفتقر للصراحة والواقعية.

إن التبرير الواقعي المقبول، الشفاف هو أن الكليات والجامعات الحكومية غير قادرة على استيعاب المتقدمين إليها ولا يمكنها عملياً زيادة قبول الأعداد المتقدمة لأن قدرتها الاستيعابية لم يخطط لها بشكل صحيح أي بشكل يتنبأ بعدد المتقدمين وأن الكم الهائل من المتقدمين للجامعات الحكومية المرفوض قبولهم سيحولون إلى كليات تستثمر في تعليمهم على حسابهم كما يحدث مع الكلية التجارية الحالية ولأن المشكلة لا علاقة لها بشح مخرجات يحتاجها سوق العمل أو قل يتقبلها سوق العمل فإن هؤلاء الطلاب الذين سيكونون قد دفعوا مبالغ طائلة لمواصلة تعليمهم الجامعي لن يجدوا في سوق العمل المذكور وظائف تعوض ما صرفوه على الدراسة وسوف ينضمون إلى من سبقوهم في طابور البطالة ولكن هذه المرة بطالة مدفوعة التكاليف.

وعليه فإنني أعتقد ان الأجدر بالدعم هي الجامعات الحكومية لتستطيع عملياً زيادة الاستيعاب وإذا كان لابد من إنشاء جامعات أهلية فإنها ليست في حاجة للدعم الحكومي فالمستحقون للدعم هم الطلاب الذين سيلتحقون بالجامعات الأهلية أي ان الإعانات أو القروض الحكومية أو فرق السعر الرمزي للأراضي يفترض أن نحولها جميعاً إلى منح دراسية لعدد من الطلاب ليدرسوا في الجامعات الأهلية على حساب المنحة.

أجزم أن معالي وزير التعليم العالي هو مع مصلحة الجامعات الحكومية ومع مصلحة وحقوق طالبي التعليم ولا ينطبق عليه ما ذكر من تعاطف مع القطاع الخاص إلا ان إيراد ذلك التبرير ربما أُسيء إيصاله بالطريقة الصحيحة وإن كنت أتمنى ان يكون قد أُسيء فهمه لأن مواقف معاليه دائماً مع مصلحة التعليم العالي وتسهيل تحقيقه لأهدافه.