السنة: 2003

مفاطيح الفيلة

في هذه الزاوية من الأسبوع الماضي تطرقت إلى ضرورة أن يفوض الوزير إلى بعض موظفيه تولي أمور الشكليات التي يشغل بعض الوزراء وقتهم الهام بحضورها أو (تشريفها) مع أنها أقل أهمية بكثير من مهام كثيرة يفترض أن يتفرغ لها الوزير ويترك تشريف الحفلات والجوائز والافتتاحات للموظف الأقل أهمية في عامل الوقت.
ثمة أمران هامان لم تتسع المساحة للتطرق لهما مع أنهما امتداد لهذا الموضوع ضمن قائمة سلبياته:

الأول أن عدم إنابة الوزير لأحد نوابه أو وكلائه أو المدراء العامين أو غيرهم ربما يعني حرصه على أن يكون النجم الوحيد في الوزارة أو في الصورة، مع أنه حصل على قمة التتويج نجماً بحصوله على الحقيبة الوزارية وتجديدها ولا ضير أن يتعرف المجتمع على نجم آخر يوفر وقت الوزير لقضايا أكثر أهمية وأحوج للوقت، خاصة أن الوزارة بمقياس الإنجازات تمثل مجموعة رجال كل منهم له دوره الهام الذي يستحق النجومية.

الثاني في قائمة السلبيات لحفلات الشكليات التشريفية هي تلك العادة التي لا تتناسب مع ما حققناه من تطور في الوعي على أصعدة كثيرة انعكس في شكل تلاش تدريجي لسلوكيات غير حضارية، إلا أن هذه الجزئية السلوكية تزداد سوءاً مع مرور الزمن، وأقصد هنا المبالغة في ولائم تلك المناسبات التي وصل فيها التسابق حداً يستوجب إعادة النظر والردع والتوقف.

أقول إننا حققنا وعياً ملموساً في سلوكيات كثيرة، ولعلي أستشهد على صعيد مشابه بولائم الزواجات والدعوات الخاصة فقد نجحنا بحكم الوعي في تحويل الكثير منها من ذبح عدد كبير من الأغنام إلى مائدة (بوفيه) مفتوح معقول التكلفة، قليل الهدر.

أما في مناسبات الافتتاح والزيارات الرسمية فإن العكس تماماً يحدث خاصة في حفلات القرى وبعض المدن فقد ازداد التنافس حدة وتحول من جعل خمسة من مفاطيح الغنم لعلية القوم وبقية الصحون لعامتهم إلى استعراض أكبر عدد ممكن من الذبائح على مسافة كبيرة من الأمتار الطولية من الموائد (هنا استخدم مقياس الطول المتري للمائدة كرقم قياسي للتنافس).

واستمر التباهي على أشده إلى أن أصبحت مفاطيح الأغنام مجرد (كبة مقلية) تستخدم لتزيين المائدة التي تتكون من قطيع من الإبل (الحواشي) يربض كل واحد منها على كيس من أرز طبخ لكي يرمى مطبوخاً!!.

وصل الرقم إلى عشرين (حاشي) وخمسين خروف في إحدى المناسبات، ولعل هذا الرقم حطم دون أن أعلم فلماذا؟!!.

لمصلحة من هذا الهدر في النعم والأنعام؟!!.

قد يقول قائل إنها تذهب للجمعيات الخيرية لأنها بطبيعة الحال لا تلمس فالمسؤول واع في أمر صحته، ويتبع حمية صحية، والواقع أن ما يذبح من الإبل والأغنام لو وزع على خمس محافظات لأشبع سكانها فأي جمعية خيرية تستوعب هذا الكم؟!!!.

هذا التنافس الجاهل شبيه بتطاول الحفاة والعراة للبنيان يوحي باقتراب الساعة وحمداً لله أن الفيل لا يؤكل وإلا لأصبحت الموائد القادمة من مفاطيح الفيلة!! لأن مقياس التنافس هنا أصبح وزن الذبيحة (كيلوجرام وزن مع الابقاء على المتر الطولي).

اللهم أدمها نعمة واحفظها من الزوال وارزقنا شكر النعمة والشكر يكون بتقديرها!!.

تفويض شكليات الوزير

إذا كان تفويض الصلاحيات في الأمور التي لا تستدعي موافقة المسئول الأعلى في الهرم الإداري أمرا بالغ الأهمية في تسيير الاجراءات وسرعتها وتوفير وقت المسئول لما هو أهم، فإن من باب أولى ان يبادر المسئول الجاد الراغب في استغلال وقته وفكره لخدمة الهدف الذي أختير من أجله إلى تفويض الشكليات وحضور التشريفات إلى من وقته أقل أهمية من وقت الوزير ومهامه أقل ثمناً من مهام الوزير وقدرته الخاصة والشخصية ومؤهلاته أقل من الوزير!!
واقع الحال ان بعض الوزراء لدينا يجند جل وقته لحضور مناسبات تشريفية لا تضيف أي جديد على موضوع اطلاعه عن كثب على سير أمور وزارته ولا علاقة لها البتة فيما يمكن ان يتخذه من قرارات أو يكتشفه من قصور أو يتنبه اليه من خطوات تطويرية، ومع ذلك فإنه يتشبث بهذه المناسبات ويعض عليها بالنواجذ ولا يفكر أو يقبل بتنويب أحد موظفيه ويفترض انه من الموظفين الأقل حساسية في عامل الوقت ليحضر هذه المناسبة ويطلعه على ما تم فيها وإن كان ما يتم في تلك الحفلات والمناسبات لا يعدو كلمات مجاملة وشيئا من الشعر وكثيرا من الكوليسترول!!

حتى المجتمع والمؤسسات والأشخاص المقربين يفترض ان يكفوا عن احراج كبار المسئولين بطلب حضورهم حفل تكريم أو جائزة أو افتتاح لأن الوقت قد حان لنصل إلى درجة من الوعي بأهمية الوقت، وقت المسئول، ووقت المسئولية فنكف عن تجاهله لمجرد تحقيق نشوة ذاتية مفادها “حفلنا حضره الوزير”!!

فللوزير وقت، وفكر، وطاقة، وجهد، ونبوغ وتميز ذهني، ورؤية واسعة “أو هكذا يفترض ان يكون” وكل هذه الخصائص يجب ان لا تهدر بتحويل الوزير إلى أداة طقوس احتفالية!!

لكننا يجب أن نعود ونؤكد ان أمر عدم الاستجابة لرغبات واحتفالية ونشوة ذاتية لشخص أو عدة أشخاص هو أمر بيد الوزير نفسه، بما في ذلك تحكمه في هوى نفسه بأن يكون موضع احتفاء فقط، تتجه نحوه الأنظار، ويطلب منه الجلوس على الكرسي الأرفع “الأوثر”!! ألا يكفي كرسي الوزارة؟!

الإنشغال بشد الرحال لكل احتفال أو افتتاح أو جائزة أسرية خارج المدينة مقر الوزارة أو حتى داخل المدينة يتنافى مع واحد من أهم أسس الإدارة وهو ادارة الوقت، فالوزير لو أستغل عشر ذلك الوقت الضائع في الاجتماع بصغار موظفيه لبانت له أمور كثيرة، كبيرة، ثمينة وسيكتشف أن تخصيص جل وقته لحضور حفل جائزة آل فلان أو آل علان لم يكن قراراً رشيداً.

إن المهم في تقدير معنى الاحتفال هو تمثيل الوزارة وليس تمثيل الوزير والوزارة حافلة بالممثلين غير النجم الوزير!!

لوحات التربية والتعليم

لا تلومونا إذا توقعنا، لأننا وبناء على التجارب والخبرات السابقة ومعرفة الأشخاص وميولهم وتوجهاتهم وأولوياتهم في اهتماماتهم نتوقع!!
وإذا كان توقعنا لأمر غير مستحب فإننا نتمنى أن نكون مخطئين وأن لا يحدث ما نتوقع.

أتوقع “والله أعلم” أن وزارة التربية والتعليم بمسماها الجديد تضع ضمن أولوياتها ومشاريعها العاجلة، مشروع تغيير جميع لوحات مدارس البنين والبنات في كافة مدن وقرى وهجر المملكة لتحمل اللوحة الجديدة مسمى “وزارة التربية والتعليم” بدلاً من “وزارة المعارف”.

هذا التوقع يأتي كما ذكرت بناءً على رصد سابق للاهتمامات والتوجهات وترتيب الأولويات، وأتمنى من كل قلبي أن أكون مخطئاً لأننا نعلم جميعاً أن ثمة احتياجات أساسية للمبنى المدرسي الحكومي لكي يكون مقراً للتربية والتعليم أهم من تعريفه بلوحة!!

المبنى المدرسي عادة له أكثر من باب وأكثر من واجهة وهذا معناه أن كل مبنى سيحتاج إلى تغيير لوحتين أو أكثر وعندما تجري عملية حسابية بسيطة فإن مشروع التغيير هذا يمكن تحويل تكلفته إلى استبدال وصيانة أجهزة التكييف التي ينتظرها صيف بوادره توحي بالغليان!!

غني عن التذكير أيضاً أن الوسائل الإيضاحية للطلاب وبعضها لوحات أهم من وسائل الإيضاح للجمهور.

أيا كان مسمى الوزارة المسئولة عن التعليم لدينا فإنه يجب عليها أن تدرك أن المسمى هو التغير الملحوظ الذي طرأ على التعليم لدينا منذ أكثر من عقد من الزمان وسبقه بطبيعة الحال الدمج وكلا التغييرين كانا محاولة جادة من الدولة لإنعاش العملية التعليمية والتربوية إلا أن مقر الدراسة والبيئة المدرسية ومناخ الفصل الدراسي ووسائل الإيضاح في المدارس الحكومية لم تتغير على الإطلاق بل ربما تقادم بها العمر وساءت الأحوال أكثر وأكثر. وإن لنا أن نتساءل “إذا لم يلمس المعلم والطالب تحسناً في البيئة التي تعين على الإلقاء والتلقي فمن غير المعلم والطالب نأمل أن يستشعر التحسن”.

مقياس التغير إلى الأفضل إذا ما حدث ستشاهده الأم في عين طفلها وهي تودعه متجهاً للمدرسة سنلمسه في حب الطالب للمدرسة وارتياحه لقضاء الوقت فيها وفرحته بحلول يوم السبت أول الأسبوع وفي تطور تحصيله العلمي وحسن سلوكه.

لقد كنا طلاباً ولانزال، لا أذكر شكل أو حجم أو نوع الخط في لوحة أي من المدارس التي تعلمت فيها لكنني أتذكر جيداً أننا نتحايل على فسيولوجية أجسامنا ونجدول أنفسنا بحيث لا نحتاج لدورة المياه وأن أي “لخبطة” طارئة لهذه الجدولة مدعاة للغياب، نتذكر أن إحدى المدارس بدون ملعب والأخرى نقصدها يومي الخميس والجمعة لنمارس لعب الكرة. نتذكر جيداً أن الكسور في جدار زاوية الفصل كان مصدر إزعاج لطلاب الصفوف الأمامية من زملائهم في الصف الخلفي نظراً لإرسالهم صواريخ جو أرض من الحصى وكسر الاسمنت في وضع يجسد عدم توازن في ميزان التسلح ويفسر كثرة غياب طلاب الصفوف الأمامية، ليس لأن لوحة المدرسة قديمة وباهتة ولكن لأن (الضربتين في الرأس توجع) فما بالك بالثلاث، لا مكيف، لا دورات مياه صحية وقصف مستمر لا يعرف الهدنة.

أنجبنا وكبر أولادنا ولم يجدوا في “سواليفنا” لهم أي جديد، نفس التكييف، نفس الحمامات ربما الاسمنت أصبح أقل صلابة لأن المقاول كان أكثر أمانة.

سعر صرف النفس المسلمة

لن نتحدث عن جانب استنكار ذلك العمل الاجرامي الذي استهدف رياض الأمن وأرض الطاعة والعبادة التي ترعرع فيها العاقون وصلّوا في مساجدها “إن كانوا من المصلين” وسمعوا صوت الحق يعلو في مآذنها والدعاء يرتفع في سمائها قبل وبعد كل فرض وفي ليالي رمضان ورأوا أن مساجدها عامرة بالذكر والدرس النافع وتحفيظ القرآن وتخريج الدعاة المتزنين.. بلد أمين آمن لا يشبهه بلد في تطبيق شرع الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأداء الشعائر بتسهيل وحرية واطمئنان، بل ان الأولوية فيه للدين وشرع الله واليد العليا لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر متبعاً كتاب الله وسنّة نبيه صلى الله عليه وسلم.
لن أتحدث عن جانب الاستنكار لأنه أمر مفروغ منه لا يختلف عليه عاقلان ولا عالم وجاهل وقد عبّر عن استنكاره الجميع وجسدت المنكر فيه صور ومواقف ويكفي لعدم محاولة إضافة جديد في استنكار ما حدث فتوى هيئة كبار العلماء في تحريم ذلك الفعل وهي الهيئة التي دأبنا نحن وآباءنا وأجدادنا على الرجوع إليها في ايضاح كل ما يشوبه الشك في أمور ديننا ودنيانا ومجتمعنا وعلاقاتنا الأسرية قبل أن يعرف أولئك المغرر بهم بل ومن غرر بهم القراءة والكتابة.

إن ما أود لفت النظر إليه في أمر استهداف الكفار أو الرعايا المدنيين لدول الكفر والذي يعتبره أولئك المغرر بهم ضرب من الجهاد إلى درجة بذل النفس من أجل تحقيقه هو في واقع الأمر وبفعل ما صاحبه من تدرج غريب وسريع يفترض بكل أسف أن النفس المسلمة رخيصة جداً عندما تقارن بالنفس الكافرة وأن دم المسلم زهيد الثمن مقارنة بدم الكافر وهاكم ما يثبت ذلك التنازل السريع في مقايضة روح المسلم بروح غيره، ففي البدايات لتلك العمليات لم تكن عمليات انتحارية وكانت تفجيرات تستهدف أكبر عدد ممكن من الأمريكان مثلاً مثلما حدث في الخبر أو الرياض منذ عدة سنوات دون أن يقابل ذلك إزهاق نفس مسلمة لا بالانتحار ولا بالعشوائية، ثم وبدون أساس شرعي أو اجماع، صور لهؤلاء ان الانتحار في سبيل قتل عدد من الكفار هو ضرب من ضروب الجهاد فكان بذل النفس يتم مقابل حصد عشرات الأرواح من الكفار مثلما حدث في تفجير “كول” في اليمن ولأن الأمر برمته ليس على أساس سليم فقد توالت التنازلات وخفض ثمن النفس المسلمة مقابل النفس غير المسلمة إلى درجة انتحار تسعة أشخاص وقتلهم لعشرات المسلمين غيرهم وجرح المئات من المسلمين وترويع آلاف من سكان بلد مسلم من أجل ماذا؟! من أجل قتل سبعة أمريكان!!

وإذا ما استمر هذا الضلال وعمى البصيرة فسوف يأتي يوم ينخفض فيه ثمن الروح البشرية المسلمة إلى درجة أن يفجر أحدهم نفسه في جمع من مئة مسلم بريء لأن بينهم قبعة لأمريكي!!

هؤلاء أناس تمت برمجتهم على القتل دون التفكير في الهدف وقيمته وما سيلحقه بالإسلام من ضرر وصور لهم سوء عملها ولذا فإنهم وصلوا حداً لا يقدرون فيه النفس البشرية القدر الذي قدرها به الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم حين أكد على أن من أحياها فكأنما أحيا الناس جميعاً وأن من قتلها فكأنما قتل الناس جميعاً.

وإذا كان ما تعرضوا له من تحويل تفكيرهم إلى اتجاه واحد لا يبصرون غيره قد أنساهم آيات من القرآن الكريم وأحاديث صحيحة من السنّة المطهرة فليس من المستغرب أن ينسيهم حرمة دم المسلم وعلو شأنه فيجعلهم يضحون بأنفسهم ومئات من المسلمين من أجل إغضاب أمريكا بقتل واحد أو حتى سبعة!!

نستطيع أن نتفهم استشهاد فلسطيني قتلت أسرته وهدم منزله واحتلت أرضه فقرر زعزعة أمن المحتل بتفجير نفسه في جمع من الصهاينة.

أما هؤلاء فمن الصعب أن تفهم ما يريدون وما يهدفون إليه وكيف سمحوا لأنفسهم باستباحة دماء اخوانهم المسلمين من أجل ترويع نفر من جنسية محددة لأنهم مجموعة فتية لم تبلغ من العلم شيئاً وغرر بهم واستخدموا كصواريخ غبية تعرف رائحة المستهدف ولا تقدر حجم الهدف وحجم الضرر.

أما كيف انخفض في حساباتهم سعر صرف النفس المسلمة إلى درجة مئة مسلمة مقابل سبعة فلأن من غرر بهم استرخص كل شيء حتى أنفسهم هم إلا نفسه وبمثل ما ضرب عرض الحائط بتعاليم واضحة وجلية في أمر قتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق فإنه يسمح لنفسه بأن يبيع أرواح مسلمين وأمن قبلتهم لقاء ثمن بخس هو نشوة إصابة أو موت سبعة من الأمريكيين.

شاحنات الدمار الشامل!!

تطرقت في زاوية يوم الأربعاء إلى تغاضينا عن السلوكيات السيئة التي تمارس بوضوح وتعلن عن نفسها ولا تجد أدنى استجابة أو أي تفاعل من أية جهة مسؤولة بل إنه حتى الآن لا يعرف من هي الجهة المعنية بها، وكان من ضمن الأمثلة رمي القاذورات من السيارة على مرأى من الجميع أو البص في الشارع وخلافه.
ولأن شيوع الممارسات دون أي رادع أو حتى مساءلة هو أحد أهم أسباب التمادي إلى أن تصبح الممارسة أمراً طبيعياً وسلوكاً عاماً يعكس صورة سيئة ودلالة تخلف، ولأننا ولعدة اعتبارات نصنف، دون مكابرة، كمجتمع منظم يسهل عليه إذا أراد ردع كثير من دلالات التخلف مثل تلك السلوكيات فإن من المستغرب أن تنعدم لدينا الرقابة الميدانية على السلوكيات اليومية باستثناء إيقاف دورية المرور لعابر إشارة حمراء أو متجاوز للسرعة إذا صادف وجود دورية.

نحن مجتمع منظم يسهل عليه تطبيق العقوبات إذا أراد لأننا نطبق الحاسب الآلي في جميع التعاملات فيسهل علينا تسجيل المخالفات وضمان تسديدها، ونحن قوم نقدر تسجيل المخالفات وتطبيق الحسومات واحتساب الرسوم على غير المخالفين فمن باب أولى أن نبدأ بالمخالف ليكون مصدر الجباية قبل غير المخالف وكل ما نحتاج إليه هو تدعيم طرق هذه الجباية ميدانياً ومن حسن الحظ أن لدينا الدوريات المتعددة ولدينا شوارع فسيحة تضمن إيقاف المخالف دون عرقلة السير.

كل ما ينقصنا هي نواحٍ إدارية تتمثل في تعريف المخالفة وتحديد الجهة المسؤولة عن المراقبة وتطبيق العقوبة ثم تحديد عقوبة رادعة وإعلانها.

لقد بلغ اهمال هذا الموضوع حداً جعل حتى مجرد الكتابة عنه غير ضرورية ولا تعد أولوية مع أنني أعتقد أنه من الأولويات في هذا الوقت خاصة وأننا خطونا خطوات كبيرة نحو الوصول إلى مدن نموذجية نظيفة تعنى بجانب الذوق والذوق العام فأصبحت الممارسات السيئة تبدو فيها أوضح وأكثر قبحاً.

دعونا ندلل على قصور منع الأخطاء بمثال أوضح من ممارسة فردية ونضعه في شكل سؤال له جائزة وأجزم أن الإجابة ستكون صعبة أو غير معروفة أصلاً.

عندما تقف عند إشارة المرور وبجانب سيارتك شاحنة بأنبوب عادم جانبي (شكمان جانبي) ينفث كمية كبيرة من عادم الديزل داخل السيارات المجاورة “ربما من بينها سيارات مرور” فمن هي الجهة المسؤولة عن منع هذا الخطأ هل هي إدارة المرور أم حماية البيئة أم أمانة المدينة أم الفحص الدوري أم مكافحة التدخين أم وزارة الصحة أو لجنة حماية الطفولة أم هيئة دولية لمنع انتشار أسلحة الدمار الشامل؟؟!!

كل تلك الجهات تعتبر معنية بالأمر كونه على الترتيب يعتبر ضرراً من سيارة، تلويث للبيئة، تلويث وتشويه للمدينة وأضرار بسكانها، وهو مخالفة لمتطلبات الفحص الدوري، تدخين سلبي لغازات خطرة إجبارياً ولجميع الأعمار، إضرار بالصحة العامة، خطورة بالغة على الأطفال الأبرياء خاصة مرضى الربو وأخيراً وبشيء من المبالغة على أساس عدد الشرائح المتضررة فهو دمار شامل.

كل ما نحتاج لمنع هذا الضرر اعتبار الأنبوب الجانبي مخالفة وتحديد جهة المسؤولية ومتابعة التنفيذ وسنجد أنها مجرد أيام وأصبحت أنابيب العادم تعانق السماء.

هل وقف بجانبك وايت صرف صحي مليان إلى حد رشق كل من حوله بأوسخ الأشياء وأنجسها وأخطرها وأكثرها إهانة و”قرفاً”؟! عندما يستعد للاقلاع يقذف المزيد من الحمم (!!) فهل رأيت من يوقفه ويحرر مخالفة؟! فكر من المسؤول بل من يجرؤ على الاقتراب؟!

العقوبة أساس التوعية

أكثر ما يوحي بالإهمال والتقاعس هي المخالفات المرئية التي تعلن عن نفسها ولا تجد من يمنعها او يقضي عليها ويطمس صورة غير حضارية تعكس تخاذلاً او سلبية او ضعف رقابة تسيء لجهود اكبر تبذل في مجالات اخرى.
إحقاقاً للحق فاننا بلد يفتقر للنظم الدقيقة في مجالات عدة بعضها تفصيلي ويحظى بإجراءات محددة وضوابط مشددة، لكننا لا نسن النظم والتشريعات ونحدد الاجراءات الا فيما يتعلق بأعمال ثابتة يسهل التفتيش عليها ومراقبتها واجبار المخالف على الحضور الى الجهة الرقابية ودفع الغرامة، وهذه الاعمال الثابتة هي في الغالب غير ظاهرة او تقبع في مكانها فلا تسيء للمظهر العام اوتخدش المشاعر او تثير الاشمئزاز واعني انها لا تعكس تخلف المجتمع او سوء سلوكه وبالتالي تخلق انطباعاً سيئاً عنه لدى كل من يراه وبذلك فان تلك المخالفات تعتبر نسبياً اقل اهمية من مخالفات اخرى ظاهرة للعيان تسيء للمجتمع وتستفز المشاعر بل قد تضر بالناس ولاتحضى بادنى اهتمام او مراقبة، بل لايعرف حتى الآن من هي الجهة المعنية بمحاربتها.

اعمال البناء او افتتاح المحلات التجارية او الخدمية هي اعمال ثابتة تسهل مراقبتها وإحضار اصحابها لذلك فان نظمها واجراءاتها وقوانينها متوفرة وتحظى بالتحديث واحياناً التعقيد وتتنافس الوزارات في تحمل المسئولية عنها وتتجاذب صاحب العمل وتتفنن في فرض تعليماتها عليه.

في الوقت ذاته فان المخالفات المتحركة مثل رمي المخلفات من نافذة السيارة المسرعة او التدخين في مكان يمنع فيه التدخين او البصق في الشارع سلوكيات لاتجد من يردعها ولانستطيع تسميتها “مخالفة” لانه لايوجد نظام تنسب اليه ولا يعرف حتى الآن اي الجهات الرقابية او التنفيذية مسئولة عن هذه السلوكيات التي تعتبر هي الاساءة الحقيقية لسمعة البلد ومشاعر الناس والمظهر العام وصحة المجتمع.

الى متى سنبقى بلداً يبذل الغالي والنفيس في سبيل الشكل الجمالي للبناء ثم نسمح بالبصق فيه؟! ونصرف المبالغ الطائلة على نظافة المدن ولانبدي اي معارضة لرمي المخلفات من نافذة السيارة!! بل لانعرف جهة يمكن تبليغها بهذا السلوك للمعاقبة عليه.

إن من الخطأ الفادح ان نعتقد ان التوعية وحدها كفيلة بتسيد الاسلوب الحضاري للتعامل فالعقوبة عنصر من عناصر التوعية “يعتقد كثيرون ان اشارة المرور الحمراء لاتستدعي الوقوف اذا خلا الطريق لكن مقدار الغرامة جعلهم يقتنعون بأن الأمر خطير ويستدعي احترام اشارة المرور” ونفس الشيء حدث مع حزام الامان ليس بسبب التوعية فقط ولكن تكثيف التفتيش.

لو شك من يرمي القاذورات من نافذة السيارة بأن رقم اللوحة قد يسجل وان الحاسب الآلي قد يحتسب مخالفة سوء سلوك على بطاقة الاحوال فان ذلك اولاً سينبه شعوره النائم “يوعيه” بأن مايفعله سلوك مشين بدليل وصوله الى حد المخالفات التي يعاقب عليها النظام وثانياً سوف يرتدع مع اول عقوبة عن تلك الممارسة غير المبررة والتي لايبررها الا امن العقوبة.

اعتقد ان ما وصلنا اليه من ذوق وتذوق وعناية بالشكل العام يجعل من حقنا ان نطالب بحماية الشعور العام مما يخدشه ويشوه جمال اخلاقياتنا ويشكك في مقدار وعينا واستغرب ان نستصعب الامر ونستكثره ولدينا تجارب دول سبقتنا في هذا الصدد.

في سنغافورة مثلاً قد يجرؤ شخص على تهريب المخدرات لكنه يخاف الف مرة قبل ان يرمي علبتها الفارغة في الارض.

امهلوا الوزراء الجدد

بعد التشكيل الوزاري السابق رجوت الزملاء في الإعلام، خاصة النقاد في الصحافة المكتوبة إمهال الوزراء الجدد مدة لا تقل عن مائة وعشرين يوماً “120” قبل توجيه النقد للوزارات التي تولوها ولأدائهم كوزراء جدد.
ولأنني على قناعة تامة بأن كل وزير جديد يحتاج بين ثلاثة إلى أربعة أشهر ليستطيع تكوين فكرة عن التركة التي ورثها عن سابقه بخيرها وعلاتها ويرسم خططه لإحداث التغيير الإيجابي وفي الوقت ذاته يفعل خطوات عاجلة ضرورية تعكس توجه فكرة الإداري وتعتبر محطة انطلاقة، فإنني أعيد الرجاء بمنح الوزراء الجدد الوقت المطلوب قبل توجيه المطالبات والنقد الذي قد يربك خطط وأولويات الوزير.

من المعتاد ان أول من يخرج إلى السطح من موظفي الوزارة ويحاول كسب ود الوزير بين مئات الموظفين هم القشور التي يسهل عليها الطفو على سطح الماء لأنها لا تحتمل الانتظار وليس لديها الوزن الذي يساعد على الركود إلى ان تكتشف ومن أهم مقومات هذا الوزن المؤهل والسيرة الذاتية والقدرات ذات الوزن الثقيل ويستغرق المسؤول الجديد وقتا لوزن الأشخاص لأن أفضل وأسرع الطرق لذلك هو مراجعة السيرة الذاتية وجس القدرات الفردية في وقت واحد فيكون أثناء ذلك المسؤول الجديد كمن يهز المنخل وينفخ سطحه لتطير القشور وتبقى الحبوب وهذا الاجراء يستغرق وقتاً للموظفين ناهيك عن الإدارات!! ويجب أن يمنح الوزير الجديد هذا الوقت.

غني عن القول ان الوزراء الذين منحوا الثقة بالاستمرار أو الاستثناء بالتمديد ليسوا في حاجة إلى هذه المهلة ونحن إذ نهنئهم بجولة ثانية أو ثالثة من المواجهة بينهم وبين الإعلام الذي يمثل نبض المواطن والوطن وهي مواجهة إيجابية لا تفسد للود قضية، لابد ان نذكرهم بأن المرجو والطموح هو أكبر مما تحقق لأن الطموح هو بحجم الوطن وليس بحجم رضى الذات!!، ونحن على ثقة ان الوزراء المجدد لهم يدركون ان التجديد هو مدعاة للإثبات أكثر منه للثبات!! فثقة الدولة دافع وليست مدافعاً!!. وكلنا ثقة انهم سيعملون برئة جديدة لنفس الاسم وليس مسمى جديداً لنفس الرئة.

كما لا يفوتنا أن نشكر الاسماء التي بذلت جهوداً كبيرة في الفترة الماضية ثم ودعت مؤكدين لهم اننا ندرك كمواطنين اننا في حب الوطن نعيش سباق تتابع، كل وزير فيه خطى خطوات حثيثة سلم بعدها القصبة لمن سيتابع الجري السريع نحو خير الوطن.

سريّتنا المستباحة

كتبتُ منذ عدة سنوات عما يحدث- ولو نادراً- من تسريب بعض صغار الموظفين لمعلومات تفصيلية عن المتعاملين معهم عندما تطلب عن طريق شخص تربطهم به علاقة صداقة وثقة، وهو أمر يتنافى مع ضرورة حفظ سرية المعلومات الشخصية التي تقدم بناء على طلب جهة خدمية تعتبر بالنسبة للجهة ضرورية لكن حفظها يعتبر أكثر ضرورية.
في ذلك الوقت استشهدت بالهاتف السعودي “آنذاك” كونه من أولى المنشآت الخدمية التي أدخلت الحاسب الآلي وسهلت ادخال المعلومات وسهل مع الزمن إخراجها.

أما اليوم فإن الحاسب الآلي أصبح شبه معمم على جميع الجهات والإدارات وأصبحت المعلومات التفصيلية، ذات الخصوصية، أكثر تواجداً في الحاسبات والوصول إليها عن طريق موظف عادي أصبح هو الآخر أكثر سهولة ويسراً.

أيضاً يفترض ألا نظلم أنفسنا ويجب أن نؤكد أن مفاهيم إنسانية كثيرة أصبحت راسخة في أذهاننا بحكم الوعي بحقوق الإنسان وحقوق الحريات الشخصية وحق حفظ المعلومات سرية قدر الامكان وأصبحت المطالبات بالحقوق الفردية أكثر إلحاحاً بناءً على تنامي الوعي العام بحق الفرد!!

ما بقي هو ضرورة ترسيخ مفاهيم حفظ الحقوق والمعلومات الشخصية في شكل قوانين صارمة وعقوبات محددة ومشددة ومعلنة على كل من تسوّل له نفسه تسريب معلومات يفترض انه اطلع عليها بحكم عمله ولا يحق له تسريبها لكائن من كان غير الجهة التي يعمل بها والتي حصلت على المعلومات بتفويض شخصي من صاحبها الذي يفترض الكثير من الثقة.

لابد من تحديث نظم عقوبات تسريب المعلومات، إن كانت موجودة أصلاً، وتفعيلها بما يتواكب مع التطور الكبير في مجال توفر المعلومة وسهولة الحصول عليها بطريقة آلية.

لم يعد الهاتف هو مرجع المعلومات التفصيلية، فقد أصبحت بمجرد معرفة رقم لوحة السيارة قادراً عن طريق أصغر موظف في المرور الوصول لمعلومات هامة عن مالكها، ونفس الشيء ينطبق على الرقم الطبي في المستشفيات ورقم بطاقة الأحوال والرقم العسكري والمعاملات في هيئة التحقيق والادعاء العام بل والحسابات البنكية.. كل تلك نوافذ يسهل اختراقها إذا وجدت علاقة أو مجرد معرفة بموظف مستهتر وضمير مستتر.

الخصوصية مطلب لكل المجتمعات حتى تلك المجتمعات الإباحية ومجتمعنا يتميز بحساسية أكبر للخصوصية في مجال المعلومات الشخصية والأسرية (إلى وقت قريب جداً كنت لا تأمن لكمة خطافية إذا قلت لشخص ما اسم أمك؟!) فما بالك بمعلومات أكثر تفصيلاً عن الأسرة أو أرقام الهاتف والجوالات خاصة النسائي منها وعن الرصيد وعنوان المنزل ناهيك عما يتعلق بالمشاكل الاجتماعية والصحية والقضايا وتفاصيل التحقيق وخلافه من معلومات نحن الأكثر حرصاً على سريتها ويفترض أن نكون الأكثر تفعيلاً لضمان هذه السرية والأكثر تفاعلاً في شكل عقوبات صارمة على من يسربها!!

لقد كان لي شرف اقتراح ربط الرقم الطبي برقم بطاقة الأحوال تلافياً لازدواجية الملفات الطبية في أكثر من مستشفى لنفس الشخص وهو اقتراح درس لكنه وحسب تعقيب سابق منذ حوالي سنتين لمدير الخدمات الطبية بالأمن العام د. محمد مفتي أحيل إليهم للدراسة ويبدو أنه ينتظر دوراً يطول فلجانهم كثيرة أعانهم الله وبرغم حسرتي على تأخر مثل هذا المشروع الوطني الهام إلا أنني أرجو ألا يرى النور إلا بعد أن نفعل ترسيخ مفهوم الالتزام بسرية المعلومات لأن المعلومات ستكون أكثر وأكبر والوصول لها سيكون أسهل.

تجربة الصحة متى توقظ المعارف؟!

القياس مطلوب رغم اختلاف التخصص إذا كانت الحيثيات والبيئة والمعطيات واحدة، وعلى هذا الأساس يجوز لنا أن نقيس المدارس الأهلية بالمستوصفات الأهلية.

إذا كان تكثيف الرقابة في المجال الصحي قد كشف عن ممارسات لا أخلاقية كثيرة تتنوع من توظيف سباك على وظيفة طبيب وممارسته العمل إلى إجراء عمليات غير مرخص لها أصلاً “توليد، إجهاض، تنظيف خزانات بشرية.. إلخ” فإن غياب الرقابة على المدارس الأهلية هو السر في عدم الكشف عن سباك يعمل معلماً أو تغيير نتائج أو تسريب أسئلة وإعطاء دروس خصوصية وممارسة تعذيب جسدي لأطفال لا حول لهم ولا قوة من قبل عناصر تم التعاقد معهم كمعلمين من خارج الوطن وبالتحديد من مجتمعات تعاني من ضغوط واضطهاد وعقد نفسية وتتعمد تفريغ تلك الضغوط والعقد في فلذات أكبادنا!! مع كامل تقديرنا واحترامنا للمعلم المتزن الذي يعمل محترماً أخلاقيات مهنته، لكن الأمر الذي يحدد النسبة والتناسب هو أمر الرقابة المعدومة في المجال التعليمي إذا ما قورن بانتفاضة الرقابة الصحية حسب نشاط مدير الشؤون الصحية في منطقة محددة!!

ثمة عنصر آخر هام يصب في مصلحة الصحة ويؤكد مزيداً من افتقار التعليم لعنصر اكتشاف الممارسات الخاطئة ألا وهو عنصر نوعية متلقي الخدمة ففي حالة الصحة فإن التعامل يتم مع أب أو أم أو شخص بالغ عاقل يستطيع (إذا أراد) أن يشتكي ويفضح الممارسات الخاطئة بينما في وضع التعليم خاصة في المراحل الأولية فإن الضحية هو طفل أو طفلة لا يجرؤ على الشكوى بل لا يستطيع التفريق بين ما هو نظامي وما هو ممارسة خاطئة!! قد يعتقد طالب صغير أن ضرب رأسه في الحائط بعنف هو من صلاحيات المعلم!! وقد يعتقد آخر أن ضرب عينه بقطعة خرطوم “ليّ” جزء من العملية التربوية!! وربما اعتقد ثالث أن ضرب أنفه في حافة الطاولة أثناء تركيعه لإخراج الكراسة يأتي بناء على طلب الوزير!!”.

صحيح أن وزارة المعارف تعيّن مدير المدرسة من المواطنين لكن ضعف الشخصية مع غياب الرقابة الخارجية وعدم قدرة الضحية على الشكوى واقتصار توظيف المعلمين على عناصر غير وطنية زهيدة الأجر ومتدنية التأهيل ومن مجتمعات تعاني عقداً نفسية يجعلها تمارس رد ما تعرضت له من تعذيب واضطهاد في صورة قسوة على أطفالنا كل هذه العناصر تجعل وظيفة المدير لا تمنع الممارسات الخاطئة وتؤكد أن فلذات أكبادنا أثناء تواجدهم في المدارس الأهلية لا يتمتعون بحماية الوزارة بكل أسف!!

قد أكون ركزت على العنف لكن الممارسات الخاطئة كثيرة ولا يمكن أن يتم تقليصها دون دخول العنصر الوطني في ميدان الممارسة وليس خلف المكاتب فتجربة المستشفيات والمدارس الحكومية أثبتت أن المهازل تخرج بمجرد دخول العنصر الوطني إلى عمق المعمعة وهذا جانب هام يؤكد أن أهداف “السعودة” لا تقف عند حد توفير الوظائف وتقليص البطالة بل تتعداها إلى فرض رقابة ذاتية من الداخل. وحقيقة أقف مثل كثيرين غيري مندهشاً لعجز وزارة المعارف عن فرض توظيف المعلمين والمشرفين والوكلاء على المدارس الأهلية والتعامل بمنتهى الحنية والهشاشة والمجاملة لملاك المدارس إلى درجة المشاركة في راتب المعلم الوطني وكأن كل هذا الكم الهائل من المدارس الأهلية لا تحقق ربحاً!! بينما الواقع يبدو “والله أعلم” أن الملاك والمراقبين هم وجهان لعملة واحدة!! نسأل الله أن يكون الفرج قريبا!!

أسماء الناجحين

علاقة جيلنا والجيل الذي سبقنا بسنوات قليلة مع شغف انتظار إعلان الأسماء قديمة وجميلة وذات ذكريات ومدلولات أكثرها إيجابي ويصب في ميزان تميز ذلك الجيل عن الجيل الجديد من شباب الخدم والحشم والسائقين والهمبرجر والتفحيط.

جيلنا عايش انتظار أسماء النجاح في جل مراحل حياته ان لم يكن كل تلك المراحل.

كنا ننتظر إعلان أسماء الناجحين عبر جهاز المذياع في جميع مراحل الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية. “الراديو” كان مكانه ثابتاً في المنزل قرب مصدر الكهرباء وكأنه مستقبل القنوات الفضائية “الرسيفر” اليوم، وكنا نعلن حالة التسمر أمامه بمجرد مرور أسبوع على انتهاء الامتحانات وكان المذياع وحده هو من يعلن حالة الفرح والسرور أو حالة الإحباط والذهول في نواحي المنزل الصغير.

في المرحلة الثانوية بدأت الصحف تنافس المذياع وتنشر اسماء الناجحين، لكننا لم نكن ننتظر طلوع شمس صباح النشر، كنا نريد تلقي خبر الفوز قبل نشره وأنه لا يوجد هواتف متعددة للجريدة ولا تحويلات يرد عليها أهل الفزعة مثلما هو الآن فقد كنا ننصب الكمين لمراسل الجريدة القادم من مقر لجنة الامتحانات.

أذكر أننا طلاب ثانوية الرياض نصبنا كميناً لمراسل جارتنا في المرقب جريدة “الرياض” بينما كان يعود على دباب “سراطوقه أحمر” وهجمنا على أوراقه بعد طمأنته بأن كل ما سنأخذه مجرد نتيجة ثانوية الرياض وسنعيدها سليمة وفعلاً لم نمزق أو نخرب او نحنث بوعدنا، حتى من رسب لم يمارس عملاً انتقامياً بتقطيع الورق “هذا اعتراف قد تقاضينا به الجريدة التي أعمل فيها وأعتز بها ولكن أرجو ألا يطلب مني إحضار الرفاق لأن عهودنا نرعاها!!”.

جيلنا كما قلت استمر في معايشة انتظار إعلان الأسماء في كل مراحل حياته، كنا ننتدب من قبل آبائنا لصندوق التنمية العقاري ننتظر إعلان الأسماء ثم نحضر “فجرا” لمكتب شرطة الاسمنت بشارع الخزان ننتظر صدور الأسماء وحتى الآن لا أدري لماذا فجراً، كنا ننوب عن الأب في كثير من المراجعات خلاف جيل اليوم الذي أصبح فيه السائق هو الابن البار للوالد، يحجز حتى مواعيده في المستشفى ويرافقه ويعتني به.

جيلنا توقفت به نشوة انتظار إعلان الأسماء مع دخول الجامعة فلم تكن هناك أزمة قبول لا في الكليات العلمية ولا العسكرية.

الجيل الذي سبقنا بسنوات قليلة استمر معه شغف انتظار الأسماء ولكنها أسماء إعلان حصاد جهد العمر وعلاقاته، أسماء التشرف بحقيبة وزارية أو شورى أو منصب آخر مرموق.

الفرق بين نجاح الدراسة ونجاح المنصب هو في العلاقة مع الصحف والنشر ففي أمر الدراسة كان النشر يأتي بعد النجاح أما في الأخير فإن النشر يكون قبل دخول الامتحان ظناً أنه من سبل النجاح.