السنة: 2003

فساد طبي

إذا كان الفساد الاداري يمارس في الخفاء ومع أكبر قدر من التكتم، بحيث لا يعرفه إلا من يسعى حثيثاً إلى كشفه ويدس أنفه في ثنايا تعاملات المجتمع ليعرف أن مشروعاً وهمياً رسي على شركة أبناء المسئول أو أن المتعهد الفلاني ما هو إلا الوجه الآخر للمدير أو ظل الوزير أو ثوب وكيل الوزارة.

وإذا كان الفساد الاداري يشمل الأمور الطبية بصورة خفية أيضاً لا يعرفها إلا عدد من صغار الموظفين الموالين للمدير كأن تؤثث مستوصفات مسئول الخدمات بأجهزة طبية تخص المستشفى الحكومي على أساس ان من “أمن” العقوبة “عام” فساداً.

فإن الدولة سدد الله خطاها رسمت وتنفذ استراتيجية جادة وحثيثة لمحاربة الفساد الاداري تبناها صاحب السمو الملكي ولي العهد مثلما تبنى محاربة الفقر وتحدث عنها صاحب السمو الملكي الأمير نايف بن عبدالعزيز في أكثر من مؤتمر صحفي بما يطمئن ان البقاء سيكون للأصلح وأن الممارسات غير المشروعة مهما خفيت سوف تنجلي.

هذا فيما يخص الفساد الخفي في المجالات الادارية المختلفة ومنها الادارة الطبية.

ثمة فساد طبي معلن مسئوليته تقع على وزارة الصحة لكنها لا تعيرها أدنى اهتمام، لذا فقد استشرى حتى أصبح يمارس على صفحات الصحف دون حياء ولا خوف على أساس أن من “أمن” العقوبة “أساء” الأدب.

الدعاية للأدوية عبر وسائل الإعلام ممنوعة نصاً وأخلاقاً في أسس أخلاقيات مهنة الصيدلة، ومع ذلك تتنافس المصانع الدوائية المحلية للأسف في ممارسة هذه الدعاية عبر قنوات الفضاء والصحف بطرق مباشرة. وقد قبلنا ذلك على أساس انه إذا غابت الوزارة إلعب يا تاجر.

الآن لننظر كيف وصل التمادي حداً يسيء للوطن ودراساته واحصاءاته وحماية مرضاه من التمادي في الفساد الطبي:

يريد طبيب أمراض الذكورة والعقم في أحد المستشفيات الأهلية أن ينشط مبيعات “الدواء” ،وأن يبالغ في إثبات ولائه للشركة المنتجة والوكيل فيقوم بنشر تصريح صحفي مخادع في احدى الصحف على انه خبر مدعياً أن زيادة الاصابة بمرض السكر في المملكة أدت إلى زيادة الحاجة إلى عقار الضعف الجنسي محدداً “النوع” موهماً جميع مرضى السكر بأنه يؤدي إلى ضعف جنسي “دون أن يحدد أي مراحل المرض ومتى؟ وكيف؟ لأنه يعلم أن النسبة قليلة!!” ثم يدّعي بأن المملكة العربية السعودية من أكثر الدول إصابة بهذا الداء، ولذلك تأتي الحاجة إلى عقار الضعف الجنسي في “المقام الأول” وأن الانتصاب من “أبرز” المشاكل التي يخلفها هذا المرض ثم يهيم في مديح للعقار بجمل تنم عن استهتار وعدم إكتراث بالانطباع الذي سيأخذه عنه زملاؤه كونه تحول إلى مندوب دعاية للعقار وكأنه شريك في المبيعات ولعله كذلك. ويختم تلك “الوقاحة الطبية” بالقول أن الفياجرا يعمل على إلتئام الخلل الذي يمكن أن يحدث داخل الأسرة!!

هذا الفساد الطبي المعلن من سيوقفه إذا لم توقفه وزارة الصحة التي تعلم ما لا تعلمه الوسيلة التي نشرته وهو أن مراحل السكري التي تشتمل على ضعف الانتصاب محدودة، وليس كل السكري وأن الدواء ليس مأموناً كما ذكر وان الاحصاءات التي أوردها عن المملكة لا تستند إلى مرجعية غير التغرير بمرضى السكر في المملكة وإيهامهم انه لن يتحقق لهم إلتئام أسري بدون هذا العقار، في حين أن الواقع انه لن يسافر مع أسرته إلى جنيف على حساب شركة ما لم يتحول إلى مندوب دعاية!!

أما وقد اقترب (سارس)

أنصح بأن لا نجازف بالاعتماد على الوكالة المساعدة للطب الوقائي بوزارة الصحة في تولي أمر الاحتياط والوقاية من عبور فيروس الالتهاب الرئوي (سارس) إلى بلدنا الحبيب، لأن الموضوع أكبر وأخطر من أن نجازف فيه بالاعتماد على وكالة مساعدة تجتهد اجتهاد المقل وتحاول محاولة غير المؤهل وامكاناتها الفنية والبشرية والمعلوماتية لا تؤهلها للتعامل بالقدر المطلوب والجدية الضرورية مع مرض ينتشر بمثل سرعة وخطورة وتعقيد هذا الفيروس الخطير.

الأولى أن تتكاتف الجهات الصحية في القطاعات المختلفة كالحرس الوطني ووزارة الدفاع والطيران والجامعات والأمن العام بل وحتى المستشفيات المتقدمة في القطاع الخاص، وتعمل بشكل جماعي مع وزارة الصحة لرسم استراتيجية وطنية محكمة للاستعداد لهذا الوباء الخطير بكل الوسائل الممكنة (غير النفي أو التجاهل أو المكابرة) لأن هذه العناصر هي الوسط المناسب لانتشار المرض!!

وتلافيا للهيمنة المكتسبة للعناصر الأقل تأهيلا فإن تشكيل هيئة وطنية للطب الوقائي بات مطلبا ملحا وعاجلا طالما ان وزارة الصحة لا تنوي، أو ربما لا تستطيع في الوقت الحاضر، تغيير دم الطب الوقائي بحقن دماء شابة، مؤهلة ومواكبة للمتغيرات في مجال محاربة انتشار الأمراض المعدية والوبائية، رغم حماس واخلاص معالي الوزير!!

الفيروس يقترب بسرعة فائٍقة ولا يفصلنا عنه سوى المسافة الزمنية بين اقلاع وهبوط طائرة من أي دولة اعترفت باكتشاف المرض لذا فان هذه الهيئة يجب أن تشكل سريعا وان يتم اختيار رئيسها وأعضائها بواقعية وموضوعية وأن تمنح صلاحية واسعة لفرض الاحتياطات المطلوبة ويخول لها أمر النطق الرسمي في هذا الخصوص ورسم استراتيجية التوعية والارشاد والوقاية وتفعيلها مباشرة!

إن هذا الوباء الفيروسي ليس حمى مالطية أو قلاعية أو ملاريا أو حمى واد متصدع وأقصد أنه لا يمنح وقت يسمح بالمجاملة وتطبيق بنود البيروقراطية والنقاش المتشنج حول (هذه صلاحياتي وتلك حدودك)! وهو ما يحدث في اجتماعات اللجان المشتركة في الطب الوقائي حيث اعداد وتعديل واعادة تعديل محضر واحد أكثر من شهرين ثم يخرج حسب هوى الوكالة المساعدة!! (يحتاج سارس لينتشر في مئة شخص زمنا اقل مما تستغرقه طباعة محضر!!)

إن لنا في تجربة الحمى المالطية المستعصية أوضح مثال، فالطب الوقائي بوزارة الصحة من الطراز الاداري الذي يصعب عليه القبول بحقيقة عدد حالات المرض أو تفاقم الخطر بل ويستحيل عليه قبول الرأي الآخر لأنه يري في ذلك اعترافا بالتقصير فيتخذ موقف المدافع ضد كل احصائية أو دراسة تؤكد ازدياد عدد الحالات وتسارع انتشار المرض بينما يري الباحثون المتخصصون في مجال الطب الوقائي أو الأمراض المعدية أن الواقع يختلف كثيرا عما يمكن للطب الوقائي بوزارة الصحة قبوله أو الاعتراف به بناء على نظرة، لا أقول متفائلة، ولكن تخشى الاعتراف بالواقع وتفضل دس الرأس في الرمل على مواجهة الحقائق والأرقام.

إن بلادنا تزخر ولله الحمد والمنة بالكفاءات المؤهلة تأهيلا عاليا في تخصص الأمراض المعدية والوبائية ويتواجد في مستشفياتها المتقدمة أطباء ممارسون لم تشغلهم المناصب الادارية عن متابعة مستجدات التخصص وهؤلاء وأن كانوا بقوا في معزل عن صنع القرار في مجال السياسة الوقائية لأن الوكالة المساعدة تريد أن تستفرد بالقرار دون قدرة، فان الوقت والظرف الحالي لا يسمح بمزيد من تجاهل تلك الخبرات الوطنية ويحتم الرجوع اليهم ومنحهم فرصة انقاذ ما يمكن انقاذه قبل وقوع مزيد من الفؤوس في الرأس!! فالعالم اليوم يخوض حربا ضروسا مع فيروس يسابق عقارب الساعة وفي وقت الحرب لا بد من تجنيد كافة الامكانات واعلان حالة تأهب قصوى لا ينفع فيها الا صاحب علم نافع وفكر ناضج وقرار نافذ وتحرك سريع.

وعطوان لماذا اختفى؟!

دروس كثيرة يفترض أن نستفيد منها كشعوب عربية مما حدث قبل وأثناء وبعد غزو العراق.

ودروس أكثر يجدر بالحكومات في العالم الثالث الاستفادة منها وأظنها سوف تستلهم العبر شاءت أم أبت ويكفي درس ضرورة مد جسور حب ورضى الشعب كعنصر هام للبقاء وليس العكس.

الدروس كثيرة والموضوع طويل وأرى أن أركز على واحد من الدروس الهامة لنا كمتلقين أو متلقفين للإعلام العربي الفضائي.

ألا تلاحظون أن ظاهرة الاختفاء لم تقتصر على رئيس وأعضاء القيادة العراقية؟! بل شملت ضيوف القنوات الفضائية المؤيدين للنظام مثل عبدالباري عطوان وغيره، أين من نصبتهم بعض القنوات الفضائية خاصة قناة الجزيرة خبراء في كل شيء، خبراء في السياسة وخبراء في الشئون العسكرية وخبراء في الشأن العراقي فكان صراخهم وتنظيرهم ومحاولاتهم المستميتة لإقناع الناس بأن أي مبادرة لتلافي الدخول في الحرب تمثل رأياً جباناً يستخف بقدرات القيادة العراقية.

أين هؤلاء بعد أن سقطت بغداد بين عشية وضحاها وخرج المكابرون إما عن العراق أو الدنيا ولكن بعد خراب بصرة بل العراق كله؟!

أنا لا أقول لماذا أخطأوا أو أفرطوا في الثقة بالنظام العراقي ولكن لماذا يختفون فجأة لمجرد أن رأيهم جانبه الصواب؟!

السبب واضح لا يحتاج لكثير ذكاء ولكن هل نستفيد مستقبلاً من هذا الوضوح المدعم بمثال حي.

السبب أن هؤلاء هم مجرد أدوات وحديثهم أحادي الاتجاه ليس جدلاً أو حواراً يحاول الوصول إلى حقيقة ولكن محاولة دائمة للوصول إلى غاية واحدة تبرر الوسيلة وتستخدم عدة وسائل ومناسبات ولذلك فإنه ما أن تنتهي الوسيلة يختفون بانتظار مناسبة أخرى.

من يتوفر لديه رأي وفكر وخبرة يمكن أن تفيد فإنه لا يختفي لمجرد أن توقعه جانبه الصواب، بل يتواجد ويوضح كيف سارت الأحداث خلاف ما كان يتوقع. ولعلي بكل هذه الحيثيات أحاول الوصول إلى الدعوة لوضع حد للتأثر بمثل هذه الآراء والاستفادة مما حدث في معرفة أهداف أصحابها وعدم الانجراف مع أحاديثهم مهما بلغت من ادعاء الحماس تمثيلاً وتصنعاً. كما أن على القنوات العربية التي أثبتت قدراً كبيراً من المهنية على مستوى تغطية المراسلين أن تحاول تحقيق نفس القدر على مستوى الضيوف.

شخصياً لا أُؤيد شن حملة نقد على شخص بعينه لأنها تعطيه أكبر من حجمه ولذلك فلم أكتب مطلقاً عن عبدالباري عطوان مثلاً، لكنني أرى أنه مثال جيد لمن أقصدهم هنا فأين عبدالباري عطوان في قناة الجزيرة منذ أن أُسقط تمثال صدام وحتى اليوم؟! لماذا اختفى هو الآخر ولم يخرج ليبرر خطأ حساباته عندما شن حرباً بذيئة على كل من يدعو لحقن الدماء بمجرد اقتراح توفير ملاذ آمن لصدام وتنازله عن السلطة معتبراً أنه يعرف العراق ويعرف نظامه ويجزم أن الحرب ستطول وأن صدام سينتصر؟! عطوان لم يبق منه ولا “عطو” واحد.

أعتقد أنه اختفى لأن دوره أنتهى بسقوط النظام فلم يكن يعبر عن وجهة نظر أو يطرح رأياً قابلاً للجدل بل يستغل مناسبة لمداعبة مشاعرحتى لو كانت ضد قناعاته.

في المقابل لابد من إنصاف الدكتور ظافر العاني فهو الوحيد الذي كان متحمساً ومتفائلاً بقوة العراق قبل الحرب وبقي يحلل أسباب سقوط بغداد وكيف حدث بطريقة خالفت توقعاته معبراً عن ألمه في أن يظهر على الشاشة وخلفه حاملة جنود أمريكية.

لماذا اختفى عبدالباري وبقي ظافر العاني؟! أمر يتعلق بالفرق بين الزبد وما ينفع الناس!! أما نحن فيجب أن نستفيد من تجربة العراق أشياء كثيرة منها أن لا ننساق وراء رجل مناسبات لا يلبث أن يختفي!!

مجلس المحافظة يحتكر الهواء!!

يبدو ان بعض المحافظات لم تستوعب الأهداف الوطنية الحكيمة من نظام المحافظات وتعتقد خطأً ان تبعية عدد من المراكز للمحافظة معناه أن تبقى هذه المراكز دون تطوير وأن تستحوذ المدينة مقر المحافظة على كل الخدمات والمؤسسات الحكومية بصرف النظر عن المصلحة العامة وكثافة شريحة السكان المستهدفة بالخدمة.

هذا المفهوم الخاطئ يعاني منه ممثلو المدن المصنفة كمراكز عند انعقاد اجتماعات مجلس المحافظة، فكل جهود رؤساء المراكز ونشطاء أبناء المدينة المصنفة كمركز في مراجعاتهم ومطالباتهم بل وأحياناً تبرعاتهم لوضع نواة لخدمة و مؤسسة حكومية تصطدم بعقبة تحيز رؤساء الدوائر في المحافظة أو بعض النافذين فيها للمدينة المصنفة كمحافظة وإصرارهم على أن المشاريع والمؤسسات التعليمية والصحية والخدمية الأخرى هي حكر على مدينتهم، أما بقية المراكز فيجب أن تبقى كما هي تابعة لمقر المحافظة ليس إدارياً وحسب بل في كل المتطلبات الأساسية للسكان والأنشطة الضرورية والترويحية، فلو أمكن لبعض المتعصبين أن يتركز الهواء في مقر المحافظة ويقصده سكان المراكز الأخرى للتنفس ثم العودة فإنه لن يتردد في معارضة انتشار الهواء!!

المحافظ نفسه حتى وإن كان محايداً وواعياً بدوره وواجبه في العمل على تطوير كافة المراكز التابعة له ووضع المنشأة في المكان الأكثر مناسبة حسب توسطه في الموقع الجغرافي أو حسب عدد الشريحة السكانية المستهدفة ، فإنه يصطدم بمعارضة غير مبررة وغير منطقية ممن يشكلون قوة عددية في المجلس ويستغلون موقعهم كرؤساء فروع للوزارات فيعارضون كل مشروع تحتم الحاجة الفعلية والجدوى إنشاءه خارج مقر المحافظة.

إنهم يتجاهلون أن تطوير جميع المراكز التابعة للمحافظة هي مسؤولية أساسية للمحافظة ككل ، وان سكان تلك المراكز دون تمييز هم أمانة في أعناق المحافظ وأعضاء المجلس بصرف النظر عن المسافة التي تفصلهم عنه، وأن تركيز مواقع الخدمات الأساسية في مدينة واحدة بعيدة عن كل المراكز وغير متوسطة الموقع لمجرد أنها صنفت محافظة فيه تعريض سكان بقية المراكز لأخطار التوجه يومياً لمدينة بعيدة عن الكل وفيه دعوة لنزوح السكان والانتقال للسكن في مدينة المقر وشل بقية المراكز وإنهاء كل الآمال في تطورها وتحولها في وقت قصير إلى محافظة ، ولعل هذا ما يخشاه بعض المتعصبين ممن ينظرون إلى الوطن بعين القرية ومسقط الرأس.

اننا في أمس الحاجة للالتفات إلى معاناة ممثصلي المراكز في مجالس المحافظات وإلى حساب ألف حساب لتمحيص تقارير تحديد مواقع الخدمات والتأكد من عدم تأثرها بعنصر التعصب للمدينة الواحدة والخدمات المركزية وإلا فإن علينا أن نعيد النظر في عملية اختيار المحافظة نفسها لتكون في موقع متوسط بين المراكز التابعة لها لا أن يكون التصنيف مبنياً على مساحة المدينة أو عدد الخدمات الحالية أو نفوذ بعض أبنائها لأن الوطن هو الأهم من كل هؤلاء.

المواجهة المعكوسة

في قانون الملاحة الجوية لا يحق لقائد الطائرة مغادرتها مهما كان الخطر المحدق به الا بعد مغادرة آخر راكب، والشيء نفسه ينطبق على قبطان السفينة، فعند حدوث كارثة لا يحق له ترك السفينة إلا مع آخر راكب!!

في سفينة السياسة وتحديدا في قاموس الأنظمة الدكتاتورية المستبدة فإن القبطان يهم بالهروب اثناء انشغال العدو بقتل ركاب السفينة ويختفي اثره عندما يصبح الجميع اثرا بعد عين!

الصورة تكررت كثيرا وفي حروب عدة كان فيها الشعب يقاتل فداء لكرامة قائد ما يلبث ان يختفي!! واحدثها ما حدث في العراق تاركا العديد من علامات الاستفهام في ذهن كل عربي ومسلم!

طالما أن رئيس النظام واعوانه أكثر الناس معرفة بقدرة قواتهم على الصمود أو الانهيار السريع فلماذا تم الزج ببلد وشعب وسيادة وحضارة بأنانية مفرطة من أجل تجهيز أجواء مناسبة للاختفاء وسط أمواج الدم!؟

نعم لعدم الرضوخ للطرف المعتدي المستبد حتى وإن كان الأقوى لتصبح قدوة لغيرك ويصبح عبرة لغيره هذا اذا كانت النية هي النصر أو الكفاح حتى الاستشهاد على ثرى الوطن بكبرياء وعزة وعدم الهروب بذل وهوان، اما وقد كانت النية مبيتة للهروب بناء على علم بعدم القدرة على الصمود فان الخروج قبل اعطاء الفرصة للعدوان ولو بتمثيلية وطنية توهم بأن الخروج بناء على رغبة الشعب كان سيعد أكثر حكمة وأكثر عزة من الهرب اثناء ذروة المعركة بعد التضحية بآلاف أجساد الرفاق من أجل أن تشتعل لتحدث ضوءا شديدا يبهر نظر العدو ليساعد القبطان على الاختفاء.. يالها من أنانية توهم بالتضحية وجبن يوهم بالشجاعة!

النصر الذي يزهو به بوش وبلير اليوم كان من الممكن أن يصبح هزيمة قاسية لو نزع فتيل الحرب ولجمت شهوة القتل بالتنحي المبكر طالما ان التنحي سيحدث وذلك وان كان انهزاماً للارادة لكنه لا يمكن أن يقارن بهزيمة الفرار من الوغى وخذلان الشعب والأمة.

السؤال الآخر المحير هو لماذا نحن العرب شغوفون بالانتقام من الجماد؟! لماذا نحب أن نفرغ جام الغضب على الصورة الجامدة أو التمثال الاسمنتي أو علم من قماش؟! هل تلك عقدة نفسية مثلما يقضم الطفل المعقد اظافرة؟! تلك سيكولوجية عربية تجدر دراستها وسيكون نشر نتائجها ممتعا وذا فائدة للمستقبل.

يكبت الشعب من قبل الديكتاتور سنوات ويجامل ويهان ويسكت ثم يكفيه لتفريغ كل ذلك الضغط المتراكم ضرب صورة او كسر تمثال أو حرق علم!! لا بل ويرافق ذلك احتفالية انتصار كبيرة مع ان ما تحقق لا يعدو كونه اشباع عاطفة والتنفيس عن كبت، لكن ثمة فرق كبير بين منطق العقل ومنطق العاطفة فمنطق العقل يحتم ضرورة العمل لاسترجاع أشياء محسوسة مثل اموال نهبت أو ملاحقة قانونية بدلا من النيل من صورة مثلما كان يفعل ذلك المكلوم الذي انتزع صورة الرئيس من قصره المرصع بالذهب وراح يوسع الصورة ضربا بحذائه لساعات طوال وسط شمس حارقة .

النفي والنفي الآخر

بشاعة صور الحرب لا تقتصر على القتل العشوائي دون هوادة والتخلي عن كثير من المبادئ والقيم الإنسانية بقصد، كون ظروف حالة الطوارئ تستدعي ذلك، أو بدون قصد لأن حالة الحرب تحفل بالأخطاء.

بشاعة الحرب تشتمل على صور قبيحة أخرى غير القتل ومنها شيوع حالة الكذب على مدار الدقيقة والافتقاد للمصداقية وهي صورة من صور التخلي عن المبادئ تبرز في ظروف الحرب، ولكن هذا لا يعني أن هذا الطبع أو الممارسة لم تكن موجودة في حالة السلم وقد يكون الفرق الوحيد بين الكذاب في السلم والحرب هو أنه في وضع السلم أكثر قدرة على حبك الكذب عنه في وضع الحرب.

الولايات المتحدة الأمريكية ممثلة في صناع السياسة الأمريكية كانت الأكثر براعة في حبكة الكذب مستعينة بآلة إعلامية خارقة القدرات يديرها اللوبي الصهيوني وهو كبيرهم الذي علمهم الكذب، ولم يزل الكذب يسود شعارات عدة حتى صدقها الأمريكيون بسذاجتهم المعهودة ثم صدقها المغتربون في أمريكا رغم انهم يندرجون من أصول تتميز بالفراسة والذكاء والفطنة، ثم صدقها المقيمون والدارسون والزائرون لأمريكا والمتأثرون بالإعلام الأمريكي.

موجة التصديق تلك كانت نتيجة لإجادة الكذب في وقت السلم والذي بلغ من الدقة في التنفيذ درجة جعلت الكاذب يصدق نفسه.

في حالات الشدة أو أوضاع الحرب تكشفت حقائق كثيرة غيرت القناعات التي رسختها الآلة الإعلامية الأمريكية في مجالات شتى مدعية المثالية فمثلاً في مجال الحقوق الخاصة وحرية الفرد، شهدت الولايات المتحدة الأمريكية بعد أحداث 11سبتمبر أسوأ صور المداهمة دون تهمة والاعتقال والسجن دون محاكمة لأعداد من المواطنين الأمريكيين أو المقيمين فيها. وفيما يخص حرية الرأي فإن حالة العدوان على العراق صاحبها ممارسة الدولة الديمقراطية حجب مواقع في الانترنت وحجب أخبار مراسلين بل وفصل المراسل بيتر أرنيت لأنه ذكر فشل أمريكا في الحرب كرأي شخصي أو مشاهدة مراسل.

أي أن الولايات المتحدة الأمريكية ومع أول اختبار حقيقي أثبتت انها لا تختلف عن أي دولة من دول العالم الثالث التي تهمل الحقوق الخاصة وحقوق الإنسان وحرية الرأي ولعل الفرق أن أمريكا لم تختبر فعلياً إلا في القرن الجديد بتوالي الأزمات عليها بدءاً بأحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم الحرب في أفغانستان وغزو العراق.

في التسابق على النفي والنفي الآخر وحرب التصاريح العسكرية على هامش الحرب الضروس في العراق خانت الأمريكيين قدراتهم المعهودة في السلم فكانت تصاريحهم وبياناتهم العسكرية متناقضة ومهزوزة واكتشف الصحفيون الأمريكيون أنفسهم أن مؤسساتهم الإعلامية العملاقة التي تدعي أنها تقدم رسالة إعلامية هادفة ومحايدة إنما هي تخدعهم مثلما يخدعهم السياسيون أنفسهم، وكشفت الأزمات ان الواقع يختلف عن الادعاء وأن هذه المؤسسات تدار بخفية ربما لا يدركها كثير من المراسلين.

الأمريكيون ينوعون المتحدثين باسم قياداتهم لكن السمة المشتركة أن كلاً منهم يواجه حرجاً شديداً أمام الأسئلة البريئة لأن الجواب لا يمكن أن يكون بريئاً!! فالحقيقة صعبة وتتناقض مع وعود رامسفيلد وستثير حفيظة المواطن الأمريكي الذي بدأ يساوره الشك بعد أن كان يصدق بالعنقاء والخل الوفي وكل ما يصدر عن رئاسته!!

ضحايا تفسير النظام.. قصة واقعية

في كل دائرة حكومية تجد واحداً أو أكثر من واحد وقد نصبوا أنفسهم مراجع للنظام ليس لحفظه فقط بل ولتفسيره والإفتاء فيه، وبالرغم من أن هؤلاء هم مجرد قلة قليلة كلفوا أنفسهم بقراءة النظم، ربما دون فهم، وتميزوا عن زملائهم في العمل بأنهم اطلعوا على النظام في وقت تكاسل الآخرون عن مجرد قراءة النظم واعتمدوا تماماً على تلك (المسجلات) البشرية لتصبح مراجع النظم والإجراءات وتم ربط مصالح الكم الهائل من المراجعين وأصحاب الحاجات بموظف واحد صغير اكتسب صفة الملم بالنظام وأصبح له هيبة يخشاها رئيسه بل ومدير مديره!!

تخطئون إذا اعتقدتم أن هذه القضية لا تشكل مشكلة تستحق الإسهاب في طرحها لأنها في الواقع السبب الحقيقي لغالبية ما تتعرض له مصالح الناس من إعاقة وتأخير وحكم خاطئ وأغراض شخصية ونفوذ للواسطة وأصحاب النفوذ فذلك الموظف الصغير الذي نصب كخبير منفرد بالاطلاع على النظم والإجراءات هو في الغالب موظف واحد، ومن هنا يأتي التأخير، ويتميز بالحفظ دون ذكاء، وبذلك يخطئ في تفسير النظام، وهو صغير الرتبة يحكم في أمور كبيرة، فلا يخلو من التأثر بهوى النفس والحسد، وهو بشر واحد فلا يسلم من ضغوط وشفاعة وتوسط يخضع له بسرعة بحكم صغر مركزه فيعطي تفسيراً للنظام يخدم مصالح من يريد!!

السؤال الذي يطرح نفسه طالما أننا من أكثر الناس إصداراً للنظم والقرارات وأقلهم تطبيقاً وتفعيلاً لها بالشكل الصحيح فلماذا لا يتم توضيح هذه النظم للناس أجمع؟! ولماذا لا يطالب جميع الموظفين بقراءة تلك النظم الجديدة واختبار فهمهم لها وتفسيرهم لفقراتها وتصحيح هذا التفسير بدلاً من ترك مصالح الناس ضحية للسيد مفسر النظام؟!

الأمثلة هي أفضل السبل لتفسير النظام وهي أنجح الوسائل الإيضاحية، لذا فإنني أتوق إلى الأمثلة، دعوني أروي لكم موقفاً مر عليه أكثر من عشرين سنة، وأجزم أن الوضع رغم مرور ذلك الزمن الطويل لم يتغير على الأقل في أمر التفسير الخاطئ للأنظمة والقرارات أو تفسيرها تحت التأثر بضغوط مشاعر خاصة مثل الحسد أو النظرة الشخصية الضيقة وهذه القصة شهدت تفاصيلها ولم ترو لي!!

عندما صدر قرار منح خمسين ألف ريال لكل خريج تم تعيينه منذ عام 1401هـ منحت هذه المكافأة لجميع الذين تعينوا في الصحة أو وزارة الدفاع أو الحرس أو أي جهة أخرى بما فيها الجهات التي تمنح بدل سكن!! (ضع عشرين خط). في جامعة الملك سعود كان آنذاك ثمة مدير عام شئون موظفين ممن تعتبرهم الجامعة أرشيفاً في النظم وكان يعاني من عقدة مؤهله ومصدر شهادته وسط جامعة تعج بخريجي أمريكا وأوروبا. عندما تقدم المعينون كمعيدين في الجامعة بطلب الحصول على مكرمة وطنهم شأنهم شأن بقية زملائهم وهي إعانة على الحياة رفض ذلك المدير مشترطاً أن يتنازل المعيد عن بدل السكن إذا رغب في المكافأة. وقد فعل المعيدون ذلك مرغمين لأن بدل السكن أقل من المكافأة وبعد أن وقعوا التنازل صرفت لهم المكافأة وقد خصم منها بدل السكن لسنتين كانوا قد تسلموها قبل صدور المكافأة، ولم تؤخذ موافقتهم على هذا الخصم!! بينما استلم زملاؤهم في الجهات الأخرى الخمسين وبدل السكن!!

وكيلا الجامعة لم يقتنعا مطلقاً بذلك التعسف لكن قناعة وكيلي الجامعة لم تنفع، وما نشر في الصحافة آنذاك من تصاريح وإيضاحات بأن المكافأة هي إعانة على بدء الحياة الاجتماعية والزوجية ولا علاقة لها بتوفر سكن أو بدل سكن أو سيارة أو خلافها لم تشفع ونفذ مدير شئون الموظفين قناعته الخاصة!!

كان ذلك مثالاً مضت عليه سنين عديدة وهو يشرح جيداً ما ذهبت إليه ومن المؤكد ان الوضع يزداد سوءاً في هذا الصدد مع زيادة كسل بعض الموظفين وانتهازية الآخر وعدم مطالبة الجميع بمعرفة نص وتفسير النظام الذي استغرق إعداده وقتاً وبذلت جهود خبراء ومختصين لتحقيق شموليته وسد ثغراته وحظي بمناقشة مستفيضة وجدل هادف وخرج بعد جهد جهيد ليحقق أكبر درجة ممكنة من الوضوح، ثم يترك عرضة لسوء الفهم أو مزاجية مفسر مع أن إجبار أكبر عدد ممكن من الموظفين على فهم النظام واختبار فهمهم له أقل كلفة وأقل ضرراً.

نواعـم ‘العليجات’

نشرت بعض الصحف الغربية ضمن تغطيتها لأحوال جنود الغزو الأنجلو أمريكي صورة لمجندتين أمريكيتين تتوسد إحداهما خصر الأخرى وتغطان في نوم عميق في ظلال ناقلة جنود في صحراء العراق على ما يبدو.

وعلى طريقة وزير الإعلام العراقي محمد سعيد الصحاف في إطلاق وصف “العلوج” على الجنود الأمريكان فإنني يجب أن أستخدم وصف “عليجات” على المجندات الأمريكيات والتصغير هنا للتمليح مع أن “العليجتين” اللتين في الصورة لا ينقصهما “الملح” ولا تحتاجان إلي تمليح ولعل هذا هو بيت القصيد.

فتاتان في غاية الجمال والفتنة وفي كامل الزينة (رغم الغبار) وترقدان في ساحة المعركة في وضع أقل ما يقال عنه انه أمر يثير الشكوك حول نية وجدية بل وقدرة الولايات المتحدة الأمريكية في هذه الحرب.

الشكوك حول نيتها وهل هي حرب على أسلحة الدمار الشامل أم على معتقدات أهل الطهر والوضوء، والشك في جديتها وقدرتها على إنهاء الحرب بسرعة باستخدام نواعم “العليجات” تلك وفشلها في ذلك أمر بات أقرب إلى اليقين منه إلى الشك والحرب تتجاوز عشرة أيام ولم تتجاوز جيوش العليجات بلدة أم قصر. وشك في قدرة أمريكا وحليفها الإنجليزي على تحقيق نصر في هذه الحرب وإن طالت طالما أنها تغزو بمجموعة فاتنات وأشباه رجال.

حروب الولايات المتحدة الأمريكية مؤخراً سواء في الصومال أو أفغانستان أو حالياً في العراق أثبتت فشل العنصر الأهم في الحرب وهو المقاتل والذي لا يمكن أن تعوضه الصواريخ مهما بلغ ذكاؤها ولا الطائرات مهما بلغ ارتفاعها وتقنيتها.

العيب المتمثل في غياب عنصر الشجاعة والإقدام والذكاء في المقاتل الأمريكي أساسه عدم توفر أهم عنصر وهو الدافع وعدم الاقتناع بمبرر وجوده في ساحة القتال وعدم وضوح الهدف وأمريكا أدركت جيداً هذا العيب وحاولت ولازالت تحاول تغطيته بادعاء أن تحاشيها لخوض معارك مواجهة على الأرض يعود لحرصها على أرواح الجنود وتلافي الخسائر في الأرواح لكن الواقع أن جيوش أمريكا في تلك الحروب كانت تفتقد للروح.

تمعن في حالة الذعر التي كان عليها الأسرى الأمريكيون خاصة الرقيب جيمس رايلي والمجندة “شانا” أثناء التصوير التلفزيوني وسيصبح من السهل عليك أن تتنبأ بالوضع النفسي لذلك الجندي في ساحة الوغى وستعرف لماذا يحرص الأمريكان على تكثيف الملابس والواقيات لتضخيم جسد الجندي، تماماً مثلما يفعلون في لاعبي كرة القدم الأمريكية. لكن هذا الجندي الضخم أشبه بثمرة الملفوف تزيل طبقاتها الواحدة تلو الأخرى علَّك تجد لباً وتنتهي دون أن تجد شيئاً وفي حالة الملفوف الأمريكي فإنه ينكشف عن علج مذعور أو “عليجة” جميلة.

لا احترام لعارية

لا أؤيد مطلقاً من يستخدم مصطلح “سقوط ورقة التوت” عند التحدث عن انكشاف عورة أمريكا، فورقة التوت براء من هذا النوع من العورات!! ورقة التوت قد تسقط بطريق الخطأ لتكشف عورة إنسان ضعيف لا يملك ما يستر عورته ولا يتعمد كشفها، لكن الولايات المتحدة بشنها هذا العدوان على العراق رغم توسلات العالم شعوباً وحكومات وبمواقفها المفضوحة على مدى عمر مجلس الأمن من استخدام “الفيتو” ضد قرارات إنسانية ثم الهروب منه عندما أرادت شن الحرب على الإرادة الدولية، لا يمكن وصفها بمن سقطت عنها “ورقة التوت”.

إن أقرب وصف لوضع أمريكا الآن هو أنها تمارس عنوة “التعري” وكشف العورة تلو الأخرى دون حياء أمام مجموعة من المتفرجين منهم كثرة تقززت من هذا الجسد العاري ومنهم قلة ممن تسيطر عليهم غرائز الشهوة الحيوانية يستمتعون ويعبرون عن استمتاعهم بالتصفيق مع كل حركة تعرّ تسقط فيها أمريكا عن جسدها قطعة ملابس وليست ورقة توت!!

ولقد بلغ عدم الحياء والخروج عن الأعراف أوجه بشن أمريكا تلك الحرب التي لم تشهد حرب مزمعة متوقعة التوقيت ما شهدته من معارضة رسمية وشعبية عالمية على كافة المستويات ون أغلبية ساحقة من دول ذات تأثير قوي في القرار الدولي.

لم يختلف مجلس الأمن على مستوى الأعضاء الدائمين بنفس الحدة التي اختلف عليها الأعضاء في موضوع قرار الحرب على العراق ولم تشهد الأمم المتحدة وضعاً مماثلاً لما شهدته من خلاف حول هذه القضية.

قبل مجرد دقائق من بدء العدوان كانت أصوات العقل في مجلس الأمن، وبكلمات مؤثرة وأكثر إخلاصاً وصراحة من أي وقت مضى ومن دول عظمى ذات دور فاعل في المجتمع الدولي، تحاول جاهدة منع أمريكا من ارتكاب خرق واضح لميثاق الأمم المتحدة واستخفاف بمجلس الأمن وتحد صارخ للرأي العام العالمي الذي عبر بالاجماع عن رفضه للحرب بما في ذلك غالبية الشعب الأمريكي والبريطاني.

رغم قوة الحجة والشفافية البالغة والتعبير الواضح المباشر في كلمات وزراء خارجية فرنسا وروسيا وألمانيا المعارضة للحرب لانتفاء أسبابها بناء على تقارير المفتشين الدوليين، ورغم أن هانزبليكس نفسه في الجلسة التي سبقت العدوان بدقائق أوضح أن كل ما يحتاجه أمر نزع السلاح هو مجرد وقت، بناء على حجم تجاوب العراق، ورغم ما جاء في كلمات وزراء خارجية الدول الأخرى من توسلات للولايات المتحدة الأمريكية بأن تجنب العالم ويلات حرب يمكن تلافيها بحلول سلمية، ورغم ما جاء في كلمة وزير خارجية سوريا من تذكير لأمريكا بأنها من شهد تأسيس الأمم المتحدة ومن احتضنت مدنها المتباعدة فعالياتها ومكاتبها ومن العار أن تخذلها الآن واختتم كلمته بتذكير رائع لامس إحساس العالم عندما استشهد بما تعرضت له المواطنة الأمريكية رتشل كوري داعية السلام المناهضة للعنف من دهس تحت جرافة إسرائيلية دون أن يتحرك ساكن في سياسيي أمريكا.

رغم كل ما شهدته الكرة الأرضية من حركة معارضة للحرب إلاّ أن أمريكا تبدأها بكل “عدم حياء” رامية آخر سترة وموجهة ظهرها للعالم فهل يمكن تسمية استعراض “هذا بسقوط ورقة توت؟! إنه الاستعراض الذي ابتدعه الصهاينة في أمريكا لإفساد أخلاقيات الشعوب وها هم الصهاينة أنفسهم يجعلون أمريكا تتعرى لإفساد أخلاقيات الدول.

الشيء الذي تناسته الولايات المتحدة الأمريكية هو أن العارية وإن حظيت بالتشجيع فإنها لا تحظى بالاحترام وستنتهي مع أول ترهل.

جنون الشكليات

خطير جدا أن نصل في اهتمامنا بالقشور والمظاهر المرحلة التي وصلنا اليها اليوم، واعني ان يصل المزاد على “لوحات السيارات” الى مبالغ كبيرة جداً قياساً بأن المعروض في المزاد مجرد لوحة سيارة ذات أحرف متشابهة أو أرقام متشابهة ومع ذلك يصل المزاد إلى أكثر من اربعين ألف ريال للوحة سيارة وليست لوحة فنية أو قطعة أثرية أو مخطوطة!!.

الغريب أن المغالاة تحدث في لوحة سيارة مميزة مع أن تميز رقم أو أحرف لوحة السيارة لا يخدم صاحبها بأي صورة من الصور سوى إشباع غريزة التميز وهي في نظري غريزة سطحية جداً من تلك الغرائز التي تختص بتعويض شعور شديد بالنقص(!!).

أستطيع أن افهم وأتقبل الحرص على اقتناء رقم هاتف مميز بالنسبة للشركات والمؤسسات ذات العلاقة المباشرة بعملاء تجذبهم سهولة الاتصال ويشجعهم على اختيار مؤسسة دون غيرها، المهم أنه حرص له ما يبرره، كما أستطيع أن أتقبل على مضض أن يحرض شخص على اقتناء رقم جوال مميز إذا كان تميز الرقم وسهولته يسهل له مهاما خاصة (!!) ونظرتنا بطبيعة الحال تعتمد على نوع تلك المهام وأهدافها (!!).

أما التنافس والمزايدة على اقتناء لوحة سيارة مميزة فهو أمر يوحي بسطحية بعض أفراد المجتمع وتفشي ظاهرة التباهي بالقشور ومحاولة التميز بأية وسيلة حتى لو كانت قطعة “ألمنيوم” تعلق في خلفية السيارة قرب فتحة مؤخرتها “الشكمان” !!.

يا أولي الألباب دعونا نفيق لأنفسنا ولو لبرهة من الزمن.. أن تمييز مركبة عن أخرى ولو بمجرد اللوحة ليس في مصلحة المجتمع ولا المرور ولا الوطن ولا المواطن!!.

يكفينا أن يتميز شخص عن آخر بنوع السيارة وقيمتها “سيارة فارهة” وهو أمر كان له انعكاسات سلبية قديماً وخاصة من فئة الشباب أو ذوي المراهقة المتأخرة وقد تغلبنا عليها ولله الحمد عندما قلت الفوارق بحكم الطفرة.

ما الذي يجعلنا الآن نختلق فوارق جديدة نحن في غنى عنها، وأعني أن المرور كمؤسسة وطنية غني عن استحداث وسيلة جديدة للتباهي قد تنعكس سلباً على المرور نفسه إذا ما حضيت الأرقام المميزة بهيبة من نوع ما في الميدان.. ورجال المرور بشر مثلهم مثل بقية المجتمع تلفت انتباههم علامات التميز!!.

أنا أعتبر أن ما حدث من مغالاة في أرقام اللوحات المميزة هو مدعاة للضحك بسبب سخفه وسطحيته لكن المضحك أكثر أن تميز رقم اللوحة هو في الواقع مصيدة على صاحبه إذا ارتكب مخالفة فهو أسهل للحفظ وملاحقة صاحب السيارة فقد ينطبق عليه المثل “يا من شرى له من حلاله علة” ومع ذلك فإن حمى التنافس وحب التميز دون امتياز ورغبة تعويض مركب النقص أنست الكثيرين هذه السلبية، واتمنى أن لا ننسى نحن ما شرت اليه من سلبيات جربنا لها متشابهات.