من رخص لك هذا؟!

إذا كان الفاسد إدارياً لا يشعر بأدنى خسارة وهو يبيع مصالح الوطن ويعتدي على أمواله وممتلكاته لأنه مخلوق يرى العالم كله بمنظار مصلحته، فإنه ما من مبرر لصبر الوطن وتحمله ومجاملته لمن باعه بثمن بخس.
ما زلنا نتعامل مع الفاسد إدارياً على أنه موظف أساء استغلال منصبه ونفوذه في استدخال مبالغ غير مستحقة تمثل ما استدخله من رشوات أو اختلاسات، وعلى هذا الأساس فإن التعامل فيه الكثير من الهشاشة والتسامح الذي يغفل تماماً النتائج غير المالية التي تنجم عن الفساد الإداري!!

مشكلتنا أننا نتذكر فقط أن ذلك الموظف استدخل لنفسه مالاً عاماً أو مال رشوة، وننسى تماماً أن غض الطرف عن المخالفة أو الدعم الذي قدمه ذلك المسؤول للمخالفين كمقابل لذلك المال له نتائج مستقبلية خطيرة لا يكفي معها مجرد إقالة المسؤول أو مصادرة الأموال المحرمة منه.

ثمة عاهات مستديمة تصيب المجتمع نتيجة تواطئ أو غض طرف وتتسبب هذه العاهات في خسائر وطنية كبيرة لا تقاس بالنقود ويفترض أن لا تقاس عقوبتها بالأثر المعنوي أو التأثير المادي أو الوظيفي.

أتوق دائماً إلى الاستشهاد بالأمثلة لأنها توضح تماماً ما نريد أن نقول فتقلل من فرص إساءة فهمه، ولعل أحدث استشهاد. ومثال على ما ذكر في السطور السابقة هو ما صرح به معالي الدكتور حمد المانع وزير الصحة في المؤتمر الصحفي الذي عقد بمناسبة وضع حجر الأساس لكلية التمريض.

فقد تحدث وزير الصحة بحرقة وألم شددين وهو يجيب على سؤال أحد الصحفيين عن أسباب عدم توظيف بعض الخريجين في تخصصات صحية رغم توفر الشواغر ووجود حاجة ماسة. قال الوزير: إن السبب يكمن في أن بعض المتخرجين من مراكز تدريب أهلية وجدنا أنهم غير مؤهلين، وطلبنا من تلك المراكز إعادة تأهيلهم بطريقة صحيحة. وللأسف (ولا يزال الكلام لمعالي الوزير) أنهم رفضوا وقالوا: نحن حصلنا على الخمسين ألفاً وانتهى الأمر أي أن الموضوع تجارة “بزنس”، وللأسف أيضاً فإن نسبة كبيرة من هذه المعاهد غير مؤهلة للتدريب، ومنها عدد كبير غير مرخص أصلاً.. إلى آخر ما ذكره وزير الصحة في ذلك المؤتمر الصحفي الذي نشر (انتهى حديث الوزير).

والسؤال الهام جداً هو: كيف تم الترخيص لتلك المعاهد غير المؤهلة وكيف تعمل عشرات المعاهد بدون ترخيص وكيف يقبل خريجوها من بعض الجهات، بل يرحب بهم على أساس أنهم من خريجي ذلك المعهد الداعم!!.

لكن الأمر الأخطر وهو مربط الفرس في الاستشهاد بهذا المثال هو ما سيواجهه الوطن من جراء توظيف عناصر غير مؤهلة في المجال الصحي وما تعرض له أولئك الطلاب المساكين من استغلال انتهى بهم إلى البقاء دون عمل وهو ما تترتب عليه كل النتائج الخطيرة لبطالة شباب حاولوا أن يكون لهم شأن، لكنهم خدعوا وهؤلاء بلا شك سيحملون عداء للمهنة وكل ما يتعلق بها.

كل تلك الخسائر الوطنية سببها غض الطرف عن تلك المعاهد عند إنشائها، بل وتسهيل أمور بعض منهم، فهل من المعقول أن نتعامل مع من ورطنا هذه الورطة وسمح لهذه الفوضى والخسائر أن تحدث نتعامل معه على أنه إنسان أخذ مالاً وحسب؟!.

إن من أشكال الفساد الإداري ما تنجم عنه عاهات اجتماعية مستديمة، والجزاء يجب أن يتناسب مع حجم نتائج العدوان. وهنا يفترض أن لا نقبل أي شكل من أشكال التسامح أو الكرم.

اترك رد