الصحة الإجبارية

في لقاء جمعني بمعالي وزير الصحة وتشرفت خلاله بحديث مطول مع معاليه وعندما أقول “تشرفت” لا أقولها محاباة أو مجاملة ولكن لأنه يشرفني حقاً أن أتبادل أطراف الحديث مع من هو في مثل وطنية وحماس ذلك الرجل الذي يحمل هم صحة أبناء هذا البلد معه أينما ذهب فالواضح أنه لا يكترث بحمل اللقب بقدر حمله للهم وهذا أمر مشرف.
كان اللقاء بحضور طبيبين مخلصين يحملان أيضاً هم مرضى السكر هم الدكتور خالد الربيعان والدكتور عبدالرحمن النعيم فزادني شرفاً أن أشترك في الحوار الذي أشعرت بأن لبه ليس للنشر أو لم يحن نشره بعد فلم ولن أنشره، أما الموضوع الجانبي فهو ما شاركتهم به برأيي المتواضع جداً قياساً بتخصص الثلاثة وفكرهم الصحي.

قلت وأقول إن مجتمعنا ومن واقع تجارب عديدة لا تكفي معه مجرد التوعية فقط، بمعنى أن التحذير من بعض العادات الغذائية وعلى رأسها “الهمبرجر والوجبات السريعة والمشروبات الغازية” لا يكفي وحده للحد من انتشار مرض السكر من النوع الثاني خاصة في سن الشباب أو الأطفال فوق 12سنة، وأن مجتمعنا يستجيب بصورة أكبر لثقافة الإلزام من ثقافة النصح والتوعية في كل شيء حتى فيما يتعلق بصحة الفرد وهو بذلك ليس المجتمع الوحيد فتجربة الإلزام نفعت أكثر من التوعية في مجتمعات مارست كل أصناف التوعية، ففي الولايات المتحدة الأمريكية مثلاً لم تنخفض نسب المدخنين بهذا الشكل الكبير جداً القريب من الصفر المئوية بسبب التوعية، بل حدث ذلك عندما أصبحت شركات التأمين الصحية ترفع بوليصة التأمين على المدخن أضعافاً مضاعفة بل وتضعه ضمن من لا تقبل التأمين على صحتهم وأصبح التدخين محرماً عملاً لا قولاً في كل الأماكن العامة والخاصة والحكومية بحيث أصبح المدخن معزولاً جداً يصعب عليه ممارسة هذا السلوك الخطر بشكل يساوي تعاطي المخدر.

بينما نحن لا زلنا ننهى ولا نلزم بشكل يوحي بعدم الجدية أو لا يشعر بدرحة الخطورة فحتى في مطاراتنا حيث يمنع التدخين لا تجد من يمنع المدخن حتى لو أشرت إليه مشتكياً.

وفي مجال العادات الغذائية الضارة لا تزال المدارس الحكومية والخاصة تمارس الترويج لها رغم النهي غير الجاد وغير المدعوم بالمتابعة.

أرقام مرضى السكر مخيفة في مجتمعنا وظاهرة السمنة المفرطة للطلاب لا تحتاج لبحث مضن، فأنت تراها عند الخروج من المدارس بل حتى عند إشارات المرور حيث تئن عجلات السيارات العائلية تحت أوزان مخيفة.

مستقبل الأجيال القادمة مخيف جداً، بل إن حال تكلفة الرعاية الصحية في الحاضر يتطلب أرقاماً فلكية لا يمكن مقارنتها بما يخصص لها في الميزانية من رقم محدود ربما بني على أساس الثمانينات، وإذا استمرت الحال على ما هي عليه فإن علاج مضاعفات ما نسميه “عدم وعي المواطن” سوف يفوق كل الإمكانات المتاحة أول الأرقام التي تخصص بشكل غير واقعي.

قلت ولا زلت أقول إننا يجب أن نتبع سياسة الإلزام جنباً إلى جنب مع التوعية وعلينا أن لا نتوقع الكثير من الثانية لأن الأولى هي الأنسب لطبيعة مجتمعنا وهو ما جربناه مع ربط الحزام في السيارة ومنع استخدام الجوال في الطائرة ومؤخراً الفحص قبل الزواج.

هل ثمة ما هو أخطر على الحياة وأكثر ترويعاً من حدوث خلل في كومبيوتر الطائرة بسبب تشغيل الجوال ومع ذلك لم يرتدع بعض الركاب إلا بعد أن أصبح مخيراً بين قفل الجوال أو النزول من الطائرة.

لم أكتب ما دار بين الوزير وبيني لأعيد اقتراحه على معاليه، فالوزير بدا مقتنعاً بالفكرة أو الطريقة، وإنما أكتبه علني أعين معاليه على سرعة وقوة التنفيذ فالهم كبير ومتشعب وأطرافه متعددة وبعضها من ذوي المصالح ممن يصعب عليهم قبول ما يخدم مصلحة الوطن والجماعة على حساب ما يعتقدون أنه مصلحتهم، وكبداية أرى أن رفع الضريبة الجمركية على السجائر ليصل سعرها في أوروبا وأمريكا أصبح مطلباً ملحاً وضرورة فرض رسوم عالية على مطاعم “الجنك فود” وتحديد مواعيد فتحها لتكون في أضيق الحدود ومنع تواجد فروعها في المؤسسات الحكومية والمدارس وتشديد الرقابة على مكونات الوجبة ومنع الهدايا المجانية من المشروعات الغازية والترويج لها ومطالبة وزارة التربية والتعليم بممارسة دورها نحو متابعة منع المشروبات الغازية والأغذية عديمة الفائدة وعديمة القيمة الغذائية في المدارس الحكومية والخاصة وما حولها أو تكليف جهة أخرى بهذا الدور.

كما أن تفعيل دور هيئة الغذاء والدواء بطريقة جد سريعة ومباشرة أصبح مطلباً ملحاً لإنقاذ ما يمكن إنقاذه بأسلوب إلزامي إلزامي إلزامي. بعد أن لم يعد ثمة خانة للطرق الاختيارية.

اترك رد