زمـــان الصمـت

ألمس فارقاً ليس سهلاً بين النقد في الصحافة المحلية اليوم عنه بالأمس القريب، وهو فارق كبير يصب في صالح الأمس مقارنة باليوم رغم أن اليوم يشهد مرونة وهامش حرية أكبر من الأمس.
الفارق يكمن في الصدى ودرجة التجاوب مع ما يكتب من نقد وملاحظات وشكاوى بل وربما صيد صحفي ثمين موثق.

بالأمس كان من الأصعب ان يمر الموضوع إذا كان حيوياً أو حساساً أو مثيراً لكنه إذا مر بالصدفة أو الغفلة فإنه يلقى صدى كبيراً وتجاوباً سريعاً واهتماماً بالغاً ويؤدي المرجو منه من الإصلاح.

اليوم كثر الطرح المباشر لمواضيع حساسة و”كفشات” صحفية بعضها فاضح، لكن التجاوب يكاد يكون معدوماً أو سلبياً للغاية.

المشكلة ليست في حجم ما يطرح من نقد وملاحظات وأن هذا الحجم والكم زادا بحيث أصبح من الصعب التجاوب مع ذلك الكم الهائل.

أعتقد أن السبب او السر يكمن في أن بعض المسؤولين أُفهم أو فهم خطأ ان ثمة توجهاً للتنفيس عن الناس عبر فتح صمامات النقد الصحفي، وأن ما يرد يومياً من ملاحظات وانتقادات لإدارته إنما يدخل ضمن هذا التوجه ويؤدي ذلك الدور التنفيسي وانه كمسؤول يعلم بخلفية ما يحدث وسيحدث وانه وحسب علمه فإن ذلك يستدعي عدم الرد أو التجاوب أو حتى الإيضاح!!.

هذا التفسير رغم انه يبدو مستبعداً إلا انه يحظى بغياب أي تفسير منافس يبرر ذلك الصمت الرهيب إزاء نقد حاد ومقالات موثقة وطروحات واثقة لعدد من الكتاب منهم المتخصص ومنهم القريب من أروقة الوزارة أو المؤسسة ومنهم من أورد مصادر ومراجع موثقة وأخرون اثبتوا دعواهم بالصوت والصورة.

وإذا ما عدنا إلى مقارنة بين الأمس واليوم فيما يخص النقد الصحفي فإنني أعتقد أن الأمس أفضل بكثير إذا كان لا بد من ذلك الصمت والسلبية تجاه طروحات اليوم الجريئة، وذلك لعدة اعتبارات أحدها أنه ومن وجهة نظر نفسية أو تنفيسية فإنه وعلى المدى الطويل فإن من الخير أن لا تكتب الملاحظات إذا كانت لن تحظى بالتجاوب وسترها عن عدد أكبر خير من نشرها وبقائها دون إهتمام مؤدية إلى إحباط أعداد كبيرة إضافية كانت لا تعلم عن التقصير وبعيدة عن صداعه.

والاعتبار الثاني هو أن حالة التبلد الناجمة لدى جميع منسوبي الجهة من رؤية نقد مكثف لا يحظى بتجاوب أخطر بكثير من ترك الجهة “على طمام المرحوم”.

أما الاعتبار الثالث فهو ان تزايد النقد مع غياب التحرك الإيجابي قد يوحي خطأً بتوفر حصانة من نوع خاص للمسؤول وهذا إيحاء غير محمود النتائج على مشاعر الزميل والمستفيد والمواطن والمظلوم في القضية.

حسناً، ما المانع من أن نحقق كلتا الحسنيين ونجمع بين ديناميكية الأمس ومرونة اليوم فنضع آلية وطنية للتعامل مع الطرح الإعلامي على أساس ضرورة احترام المسؤول لشكوى التقصير وضرورة تجاوبه مع ما يطرح كجزء من تقييم أداء إدارته أو مؤسسته وشرط لاستمراره؟!.

لماذا لا نسلك مسلكاً نجح فيه غيرنا وهو أن خبراً أو صورة قد تقيم الدنيا ولا تقعدها إلا على مسمار حاد ومؤلم تصرخ من وخزه قاعدة المقصر!!.

اترك رد