مجتمع بلا”كتلوج”

طال كثيراً غياب تواجد نظم وإجراءات مكتوبة تفصيلية تحكم سير العمل في دوائرنا الحكومية تتيح للموظف أن يعرف ما له وما عليه وما هو عمله بالضبط، وما الذي يجب عليه أن لا يعمله بحيث يصبح واضحاً ما إذا كان الموظف يستغل الاستغلال الصحيح أم أن غياب النظم يجعله ودون قدرة على الاعتراض يعمل كل ما يطلب منه خلال ساعات العمل سواء لصالح العمل أو لصالح رئيسه، وسواء كان بنفس القدر مثل أحد زملائه أم أن ثمة تفرقة!!
الوصف الوظيفي ليس الغائب الوحيد الذي طال غيابه، فهناك نظم وإجراءات عديدة نفتقدها بل مرت عشرات السنين على وزاراتنا دون أن تفكر ولو مجرد تفكير في تدوينها وسنها وجعلها مرجعية مكتوبة، والسبب في “شكي” أن الوزير عندنا يكون مشغولاً بتحقيق إنجازات “وقتية”، آنية، عابرة تسجل لفترته عبر وسائل الإعلام كخبر أو تشاهدها بعض العيون أو كل العيون دون الاهتمام بتأسيس بنية تحتية إدارية تحتفظ بها مكتبة وأرشيف الوزارة دون أن يشعر بها الجميع مع أنها ذات قيمة هامة يقدرها من يأتون بعده ويستفيد منها في سير العمل من هم يعملون في فترته وبعدها ويستفيد منها الوطن في شكل انتظام لسير الحياة العملية وراحة نفسية للمراجع والموظف على حد سواء، وأهم من هذا وذاك خلق بيئة وطنية منظمة وعادلة وشفافة، لا مجال فيها للصيد في المياه العكرة غير الواضحة.

معظم أمورنا الحياتية نعالجها بطريقة آنية، أنانية عشوائية غير مقننة تعتمد على الاجتهاد والعلاقات وتتيح مجالاً رحباً للمخالفات وعدم الإنصاف.

إن أخطر نتائج هذا الغياب هو أن جميع دوائرنا دون استثناء أصبحت دائرة الرجل الواحد، فمجرد تغير الوزير أو المدير يعني تغير الكثير من النظم والإجراءات التي هي بطبيعتها آنية اجتهادية غير مدونة ولا صادرة عن طريق دراسة أو أقرتها هيئة خبراء.

حتى الشعور العام داخل الوزارة أو الدائرة تسيطر عليه مشاعر انتظار التغيير لمجرد تغير المسئول الأعلى في الهرم، كل شيء ينتظر أن يتغير ليس بالضرورة إلى الأفضل، ولكن إلى التغيير، وهذا التغيير قد لا يقتصر على الإجراءات والأنظمة وسير العمل، بل قد يشمل الأشخاص وكأن لكل مسئول طاقمه الخاص الذي يتنقل به أو ينقله معه.

أصبح الشعور العام أن المسئول الجديد الذي لا يغير، مسئول غير ناجح أو غير قادر على مجاراة من سبقه أو تعويضه.

إن ما يحدث لأجهزتنا من ارتباك عند كل تغيير أمر متوقع في ظل غياب الكتيب الإرشادي الكفيل بجعل الجهاز يسير على طريقة صحيحة في كل الأوقات ومع كل الأشخاص. لأننا وكما يبدو أصبحنا مجتمعاً بدون “كتلوج” وأي جهاز يدار دون الرجوع إلى كتيب إرشادي عرضة للاحتراق أو العمل بطريقة غير صحيحة أو عدم الاستفادة من أقصى إمكاناته!!

والسؤال المحير هو لماذا لا يطلب من المسئول الناجح تدوين نظمه وسياساته لتستفيد منها الدائرة خاصة أنه تقاضى أجر ذلك العمل في تلك الفترة؟!

بل السؤال الأكثر عجباً وحيرة هو لماذا تبلغ بنا الأنانية حد إخفاء النظم والإجراءات وعدم تدوينها وكأنها براءة اختراع للوزير أو المدير السابق يأخذها معه؟!

اترك رد