المستقبل الهش

كنت قد حذّرت كثيراً.. من الإفراط في منح الثقة للقطاع التجاري في المشاركة في بعض النشاطات الصحية والتعليمية في ظل غياب مؤسسات حكومية رقابية كبرى متكاملة العدد والعدة والإمكانات وذات صلاحية وتتسم بالصرامة التي لا شفاعة فيها أو تردد أو شفقة. وذلك استناداً إلى حقيقة ان التجارة إذا دخلت مجالاً اساسياً يشكل ركيزة كالصحة والتعليم أو المجال الرقابي أفسدته ما لم تكن السيطرة عليها محكمة وشاملة مثلما يحدث في الدول التي نقلدها ونستشهد بها كالولايات المتحدة الأمريكية حيث تعتبر زلة القطاع الخاص والحكومي رصاصة انتحار.
بلغ خوفي أشده حينما تقرر الموافقة على منح تراخيص لمختبرات تجارية تتولى تحليل الأدوية وإصدار شهادات صلاحيتها وفاعليتها لأننا بذلك نضع مسوغاً نظامياً للغش في مجال الدواء وننشىء سوقاً سوداء بل داكنة السواد لتجارة شهادات الجودة تروج أدوية مغشوشة بشهادة حماية قانونية لن تتردد شركات الأدوية في شرائها بأي سعر يحدده تاجر المختبر، مثلما كان تاجر أكبر مجموعة صيدليات عنقودية مستعداً لدفع عشرة ملايين ريال لشراء خطاب تعميم إداري!!.

دخول القطاع الخاص في الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم ومنح الشهادات يستلزم إمكانات رقابية لا نملكها حالياً ولا نستطيع في ظل الظروف الحالية أن نؤسسها من جديد خاصة أنها تحتاج إلى كوادر مكلفة خبيرة ومؤهلة وتحتاج إلى تشريعات نافذة لا يدخلها الباطل من أمامها ولا من خلفها ولا عن يمينها أو شمالها ولا تقبل التوسط أو الشفاعة أو الستر، وتحتاج إلى تنفيذ عاجل ونهائي للعقوبات والجزاءات بل الإغلاق الفوري للنشاط ونعني هنا العقوبات التي لا تحتمل المجازفة أو المقارنة بين الربح والخسارة التي شئنا أم أبينا هي ميزان التاجر!!.

كيف نتوسع في التعليم الجامعي التجاري ونحن نرى ان التعليم العام في مراحله الابتدائية والمتوسطة والثانوية عندما فتح أبوابه للتجارة أصبح القناة الرئيسة للتفوق المزيف والنجاح المضمون والنسب العالية وتسريب الأسئلة بل انه فتح بابا خطيرا جدا وهو إنشاء جمعيات طلابية مالية لشراء ذمم المعلمين مثل تلك التي أعلنت عنها وزارة التربية والتعليم متفاخرة كالعادة باكتشافها في حين أن أسلوبها العقيم في الامتحانات ومنح التراخيص ودعم توظيف المعلم المستورد هو سبب نشوء الظاهرة “طلاب يتشاركون في جمع آلاف الريالات لشراء الأسئلة من معلم مدرسة خاصة يحرج على ضميره”.

نفس الشيء يقال عن التوسع في منح الثقة للقطاع الخاص الصحي إلى حد تسليمه زمام الرقابة!!

قريباً وعندما تكتمل لديّ المعلومات سوف أكشف لكم عن ممارسات في القطاع الخاص الطبي تجعلكم تعودون للعلاج بالحلتيت على أن ترسلوا بناتكم وزوجاتكم لمركز طبي أهلي!

اترك رد