تجارة التعليم الطبي

التجارة الجديدة التي نشأت مؤخراً تنذر بخطر كبير لأنها متاجرة بمخرجات تعليم متخصص يمثل التدريب والتطبيق فيه أساساً هاماً لنجاح العملية التعليمية وتأهيل الخريج.
استغل القطاع الخاص فرصة محدودية القبول في الجامعات الحكومية خاصة في مجال التخصصات الطبية والصحية بصفة عامة فوجد في فتح كليات تجارية لتخريج الأطباء وأطباء الأسنان والمتخصصين الصحيين والممرضين فرصة لتجارة مضمونة الربح مادياً للتاجر لكنها خسارة كبيرة للمجتمع تهدد صحته ومستوى أطبائه وممرضيه والمساعدين الصحيين.

تلك الكليات التجارية ليس لديها الحد الأدنى لأهم مقومات التعليم الصحي وهو المستشفيات وإمكانات التأهيل اثناء الدراسة ومواقع التدريب الذي يعتبر اساسياً، بل ان بعض تلك الكليات التي حصلت على موافقة إنشائها ليس لديها مستشفيات مطلقاً ولا تتبع لمؤسسات صحية وهذا معناه انها ستكون كليات تجارية مانحة لشهادات نظرية ستهدد مستقبل الطب في بلادنا وتطعنه في مقتلين هما من أهم ما يميز وطننا حالياً أحدهما مستوى الرعاية الصحية المتقدمة التي تميزنا بها عن من حولنا وأصبحنا نقارع بها دولاً متقدمة سبقتنا والثاني مستوى وتأهيل الطبيب السعودي والمتخصص الصحي السعودي وهو الآخر سجلنا فيه بحبر من ذهب في اللوحة العالمية فعرفت المملكة كواحدة من مخرجات المبدعين والمتميزين في مجال الطب ومن غير المنصف لوطننا أن نضحي بصحة أبنائه أولاً وسمعته ثانياً لمجرد أننا نستعجل المتاجرة في التعليم الطبي!!

ان ما يحدث من موافقة على منح تراخيص إنشاء كليات طب أو كليات صحية لقطاع خاص ليس به مستشفيات أو لديه مراكز صحية أو حتى مستشفيات محدودة وغير مؤهلة ما هو إلا دلالة على أن الجهة المانحة غير مراعية للتفريق بين ما يمكن وما لا يمكن وعلينا أن ننقذ ما يمكن إنقاذه ونحيل أمر ترخيص تلك الكليات إلى هيئة متخصصة تشتمل على ممثلين من جميع القطاعات الصحية والاكاديمية المتخصصة في التعليم الصحي وتحدد مسبقاً الشروط والمقومات التي يجب أن تتوفر في الكلية الخاصة بحيث لا تقل بأي حال من الأحوال عن تلك الحكومية القائمة لأن الهدف ليس اضعاف المخرجات ولكن مضاعفة عددها مع الحفاظ على الجودة.

إن علينا ان نستفيد من أخطاء الماضي والمتمثلة في الإفراط والتفريط في الثقة في منح التراخيص للقطاع الخاص في مجالات حيوية وجدنا مع الزمن اننا كنا فيها مفرطين وانعكست على سير حياتنا لكنها لن تكون بخطورة إنشاء كليات طب غير مؤهلة.

لا تريد الوزارة بكافة مسئوليها بسبب سياستها العليا أن تعترف بأنها قاسية على المجتمع لينة على ملاك المدارس ولا تريد أن تقول انها اختارت الوظائف التي لا تستلزم سوى رواتب زهيدة بل ليس لها سلم رواتب معروف يمكن المقارنة به وانها لا تريد أن تجرح المدارس والمعاهد الأهلية بسعودة وظائف التعليم لأن ذلك قد يؤثر على أرباح تلك المدارس مقارنة بتوظيف متعاقد “أقل تأهيلاً” بربع أو خمس الأجر المتوقع للسعودي، والمؤسف ان تعمد الوزارة إلى تبرير هذا القرار بالتشكيك في قدرات وتأهيل ابن الوطن الذي كافح وعمل بكل إمكاناته ليخرّج أبرز المعلمين الأكفاء والأطباء والعلماء والمهندسين وأساتذة الجامعات.

اترك رد