الوادي والوادي الآخر

يكون الإجراء مقبولاً عندما يكون منطقياً، ويكون منطقياً عندما يطبق بطريقة لا تتعارض مع العقل.
الناس لا تريد أكثر من الاقتناع بما يحدث وسوف تستجيب وتتجاوب على الفور دون تذمر أو ضجر بل ولا حتى نظرة استغراب.

كأني بسنوات الوضع الاقتصادي الموسوم بالشح أو سنوات ترشيد الصرف أو التقشف كونت لدى الناس استعداداً نفسياً لقبول أي إجراء أو خطوة أو جديد حتى لو لم يكن له علاقة بالجانب الاقتصادي، وهذه واحدة من إيجابيات الأزمات لأنها تروض النفوس التي ربما تعودت على الرفاهية ولكن ليتها تنجح في ترويض كل النفوس وأكاد أجزم أنها لم تفعل، بل إن نسبة غير قليلة من الناس لا تزال تعيش نفس ممارسات الطفرة وكأن شيئاً لم يحدث، وهنا تكمن الخطورة، ومن هنا يبدأ الإحباط، فطبيعة النفس البشرية تحب أن يكون المصير جماعياً، عاماً، غير خاص، ليس فقط في المكاسب بل حتى في المصائب، أي أن الإنسان تهون مصيبته إذا علم أنها عامة، لذا تراه يقول “الموت مع الجماعة رحمة”.

لا يحب الناس أن يروا أنهم في وادٍ وغيرهم في وادٍ آخر!!

ولذلك فإن كل خطوة نرى فيها مصلحة لهذا الوطن الغالي ونبدأ في تطبيقها يجب أن نعي أن مقومات نجاحها أن تكون شاملة، تتوجه للكبير قبل الصغير وللأهم قبل المهم وللمسؤول قبل الأقل مسؤولية، وللغني قبل الفقير، وسنجد وبكل سهولة أنها مقبولة، سهلة الوقع على النفوس، يسيرة التطبيق.

مشكلتنا حينما يحدث العكس، عندما نريد من صغار الموظفين أن يلتزموا بما لا يلتزم به كبارهم، أو نريد من الناس أن تتقشف ونحن نمارس البذخ والصرف المبالغ فيه أو نريد من مواطن أن يعالج على حسابه بسبب ازدحام المستشفيات وهو يرى أن مواطناً آخر يراجع أربعة مستشفيات لنفس المرض ويحمل بطاقة برقم ملف في كل مستشفى حكومي يتمناه. أو نريد لصاحب “الربع بوصة” أن يرشد استهلاك المياه وهو يرى الهدر يمر عبر أنابيب “ست بوصات” أو أن نشحذ همم الناس لإطفاء مكيف صحراوي لتخفيف أحمال الكهرباء على المولدات وهم يرون أن الكشافات تقول للشمس في رابعة النهار أيّنا أسطع؟!

الناس على استعداد للتجاوب فقد روضتهم الأزمات وأصبحوا أكثر وعياً وكل ما يحتاجون إليه هو القدوة الحسنة في المنزل والمكتب والمجتمع والوطن عامة.

اترك رد