قنبلة على السكين

قمت يوما ما بالتبليغ عن احد المتاجر الغذائية الكبيرة على اساس قيام ركن اللحوم والأجبان فيه ببيع (مرتديلا) لحم نعام منتهي الصلاحية، وقبل التبليغ كنت قد وثقت الحادثة بالشهود وبشراء (قنبلة) كاملة من لحم النعام تزن حوالي (واحد كيلوغرام )منتهية الصلاحية عليها ملصق المتجر ومعلومات الحاسب الآلي فيه (شكل عبوة لحم المرتديلا الكاملة تشبه القنبلة أعاذنا الله وإياكم من القنبلة والمرتديلات منتهية الصلاحية لأن لكل منهما خطورته التي لا يستهان بها).
تفاعل معي الشباب من منسوبي مكافحة الغش التجاري بشكل جيد وحضروا للمتجر الكبير وضبطوا مزيداً من الاجبان المنتهية والمخالفات الأخرى، وواجهوا موظفاً شرساً من دولة عربية (لم تسعود وظيفته ولن تسعود) كان متبجحا وسليط اللسان عليهم ويتكلم بلهجة المسنود بظهر قوي فلم يقل لهم (تكرم عينك) ولا (على راسي من فوق) فزاد ذلك التبجح الشباب حماساً وحرصاً على معاقبة المتجر الا أنهم كانوا في حاجة الى مزيد من الاثباتات والمسوغات وجلسة شبه محاكمة يحضرها محامي المتجر والمدعي الذي هو أنا وممثل مكافحة الغش التجاري حتى يمكن توجيه (توبيخ) للمتجر بعدم بيع ما يضر بالمواطنين!!.

حسناً، أنا مع التثبيت والمحاكمة وإعطاء الفرصة للطرفين وإن كان في ذلك إرهاق لصاحب البلاغ الذي يفترض أن ينوب عنه ممثل وزارة التجارة آنذاك بعد أن ثبت لدى اللجنة واقعة بيع مواد منتهية الصلاحية ومع هذا كله أكرر أنني مع المحاكمة وفرصة الدفاع عن النفس، لكن هذه الفرصة يجب أن تمنح للجميع دون تفريق أو محاباة أو مجاملة لتاجر على حساب (تويجر)، أي أن حق الدفاع عن النفس وعدم اتخاذ اجراء الا بعد محاكمة يفترض أن يستفيد منه الجميع على حد سواء ويتساوى في هذا الحق صاحب ذلك المتجر مع فقيرة تحاول كسب ما تسد به رمق عدد من اليتامى بالبيع على الرصيف أو قرب الأسواق والتجمعات.

من يصارعون ظروف الفقر والبطالة والحاجة ويحاولون كسب العيش بالبيع على الطرقات وعلى ظهر الونيتات يتم التعامل معهم باتخاذ الحكم على الهواء مباشرة وركل البضاعة ومصادرتها وربما تطبيق غرامة مالية كبيرة مثلما يحدث مع باعة (الحبحب على السكين) حيث تصادر البضاعة ويدفع غرامة لا تقل عن ألفي ريال ولا يترك له غير السكين (صحيح لماذا لا يصادرون السكين؟!.) وأظنكم تذكرون صاحب وانيت الحبحب الذي طارده مراقب البلدية بالسيارة ثم صدمه ونفذ فيه حكمه هو بضربه في موقع الحدث في أسرع تنفيذ لعقوبة جسدية تم قبل الحكم!! (ألم أقل لكم انه على الهواء مباشرة ودون مسوغات) وبالرغم من أن جريدة الجزيرة كتبت الخبر وعقبت عليه في هذه الزاوية، وربما علق غيري كثيرون الا أن القصة مرت وكأنها لم تحدث!!.

ما بين مخالفة بائع المرتديلا بلحم النعام منتهي الصلاحية وبين بائع الحبحب الصالح هوة كبيرة في فروقات التعامل وبون شاسع في حفظ الحقوق، هذا البون إذا لم نقلصه وتلك الهوة إذا لم ندفنها بتعميم التعامل على أساس الحقوق للجميع، سنكون نمارس مجازفة اجتماعية على السكين!! وهنا لن تكون الحبحبة دائماً حمراء فقد تكون سوداء لا تسر المتفائلين!!.

اترك رد